لا نضيّق دائرة الحلال فنخنق شبابنا
في ورشة العمل «نتحدّث عن الإسلام مع الشباب – 2» التي نظّمتها مؤسسة بُلبل زاده، طُرحت على الطاولة منظومة «حُكم الخوارزميات» التي أفرزها العصر الرقمي، وبحثُ الشباب عن الهوية، ومجال الحرية في الدين. وأكّد البروفيسور الدكتور محمد أنس كالا أنّ تساؤلات الشباب ينبغي أن تُقرأ لا بوصفها تهديدًا، بل باعتبارها بحثًا عن الحقيقة.
وقد أُقيمت النسخة الثانية من سلسلة ورش «نتحدّث عن الإسلام مع الشباب»، التي تنظّمها وحدة التعليم والمعلّمين في Bülbülzade Vakfı بهدف فهم عالم الإيمان لدى الشباب، وإنتاج حلول لمشكلاتهم، وتطوير لغة تواصل أصيلة معهم، يوم السبت 14 فبراير/شباط 2026 في قاعة زاده لايف – قاعة زيوغما. ونُظّم البرنامج تحت العنوان الرئيس «البحث الديني لدى الشباب: الهوية، الإيمان والمجتمع»، واختُتم بتلاوةٍ من القرآن الكريم، وإنشادٍ شعري، وعروضٍ طلابية، ومحاضرةٍ ثرية ألقاها البروفيسور الدكتور محمد أنس كالا.
سأل الشباب… وتحدّث الشباب
بدأ البرنامج في أجواء روحانية بتلاوةٍ من القرآن الكريم، وإنشاد قصيدة «آمنتُ» بصوت محمد أنسار جوندي أوغلو. وبعد كلمة الافتتاح التي ألقتها عائشة غُناسلان باسم مؤسستنا، أُعطيَت الكلمة مباشرةً للشباب. وفي الجلسة التي أدارها مدير مؤسستنا زينل كابلان، تناول شبابنا قضايا الإيمان من زواياهم الخاصة. فقد قدّم أحمد علي بوزار عرضًا بعنوان «ماذا قال لنا الدين، وماذا فهمنا نحن؟»، وتحدّثت إقبال أوسانماز عن «المعضلات الدينية التي يواجهها الشباب»، وقدّمت بتول كبرى أيداغ عرضًا بعنوان «الحرية والمسؤولية في الإيمان»، فيما تناول علي سعيد أوزمنتار موضوع «الشباب والدين في العصر ما بعد الحداثة: فرصة أم عائق؟». وقد حظيت ملاحظات الشباب باهتمامٍ كبير من المربين والحضور في القاعة.
لا تختزلوا الدين في قائمة محظورات
وفي كلمته التي أشار فيها إلى عروض الشباب، قدّم البروفيسور الدكتور محمد أنس كالا تنبيهاتٍ لافتة بشأن تعليم الدين ولغة الخطاب الديني في يومنا هذا. وأوضح أنّ من أبرز الأخطاء عند عرض الدين «تضييق المجال»، قائلاً: «ينبغي ألّا نضيّق دائرة الإباحة. فلا يجوز أن نعرض للشباب دائرة الحرام مباشرةً من غير أن نُريهم سعة دائرة الحلال، فنخنقهم بذلك».
ليس نموذج “أبراهام” بل نموذج النبي إبراهيم عليه السلام
ولفت كالا الانتباه إلى سوء قراءة مسار تساؤلات الشباب من خلال شخصية “أبراهام” في اللاهوت الغربي مقابل شخصية النبي إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم، قائلاً: «إن نموذج أبراهام في اللاهوت الغربي يمثّل الإيمان الأعمى أو ما يُسمّى بالفيدية. أمّا النبي إبراهيم الذي يحدّثنا عنه القرآن فهو شابٌّ يسائل، ويرفض التقليد الأعمى، ويسعى إلى الحقيقة القائمة على التحقيق. إن هذا البحث والتساؤل بل وحتى المعارضة الكامنة في فطرة شبابنا هي خصائص فطرية. وينبغي أن ننظر إلى أسئلتهم لا بوصفها تهديدًا، بل بوصفها سعيًا لبلوغ الحقيقة».
من الديمقراطية إلى غرف الصدى
وتطرّق كالا إلى تأثير الرقمنة في الإيمان، مشيرًا إلى أنّ «الديمقراطية» قد حلّ محلّها اليوم نظام «حُكم الخوارزميات». وأوضح أنّ خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تحبس الأفراد في «غرف صدى»، حيث لا يسمع كلٌّ إلا من يشبهه في التفكير، مما يحول دون رؤية الحقيقة كاملةً. وقال: «إن شبابنا يعيشون داخل واحةٍ رقمية، ومهمّتنا أن نحوّل هذه الواحة إلى فضاءٍ ذي معنى لهم».
ما الذي يُبعِد الشباب عن الإسلام؟
كما تناول البروفيسور الدكتور محمد أنس كالا تصاعد النقاشات حول الربوبية والإلحاد في الآونة الأخيرة، مؤكّدًا أنّ هذه الظاهرة ينبغي أن تُقرأ لا باعتبارها «انحرافًا» فحسب، بل باعتبارها «بحثًا عن جواب». وختم كلامه قائلاً: «ما الذي لم يجده الشاب وهو مسلم فدفعه إلى بحثٍ آخر؟ وأيّ نقصٍ في تمثيل الدين أو في العدالة أو في الإخلاص أوصله إلى هذه النقطة؟ قبل أن نحكم على الشباب، علينا أن نطرح هذه الأسئلة على أنفسنا».
واختُتم البرنامج بجلسة ميكروفون مفتوح أُجيب خلالها عن أسئلة المشاركين. وستواصل مؤسسة بُلبل زاده الإصغاء إلى صوت الشباب والتفكير معهم.













