هذا هو النص الكامل للكلمة التي ألقاها رئيس مؤسسة بلبُل زاده، تورغاي ألدمير، في اجتماع "مفاوضات إسطنبول" الذي عُقد في 27 مارس 2026 في المقر العام لمنظمة أوندر.
أيها الأصدقاء الأعزاء، ممثلو المجتمع المدني الكرام، إننا نجتمع اليوم لا لنتحدث فقط عن أزمة في جوارنا، بل لنتناول جزءًا من روحنا وتاريخنا ومستقبلنا المشترك. بالنسبة لنا، حلب ليست مجرد شريك تجاري لغازي عنتاب، بل هي توأمها الروحي. إن الحدود المصطنعة التي رُسمت بيننا، والأسلاك الشائكة وحقول الألغام، لا يمكنها أبدًا أن تغيّر حقيقة جغرافيتنا الوجدانية التي نُسجت خيطًا خيطًا على مدى ألف عام. عندما نتحدث عن دمشق وحلب وإدلب، فإننا لا نتحدث عن غرباء، بل عن إخوة نجلس معهم على المائدة نفسها، ونتجه إلى القبلة ذاتها، ونحزن معًا على الأنغام ذاتها.
المركز العريق لقانون التعايش
ليست سوريا مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل هي نقطة التقاء لخصب البحر الأبيض المتوسط، وأمن الأناضول، وحكمة بلاد ما بين النهرين العريقة. في ظل الحكم العثماني، كانت حلب ثالث أكبر وأهم مدينة استراتيجية في الإمبراطورية بعد إسطنبول والقاهرة. وكانت حلب، بوصفها "مدينة قوافل"، مركزًا لا لتبادل السلع فحسب، بل لامتزاج الثقافات والأديان أيضًا. إن "الأناقة والنظافة" التي أُعجب بها ألكسندر راسل في القرن الثامن عشر لم تكن سوى انعكاس مادي لـ"قانون التعايش" في المنطقة. ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لسوريا على موقعها على طريق الحرير، بل إنها كانت عبر التاريخ "مركز توازن" تُبنى فيه الأنظمة الإقليمية أو تُهدم. في سوريا ما قبل النظام، كانت الطوائف المختلفة تعيش ضمن ثقافة الحي الواحد مع احترام متبادل للحقوق. وكانت أسواق حلب أماكن يعمل فيها التجار المسلمون والمسيحيون واليهود وفق قواعد نقابية واحدة، مما يعزز السلام الاجتماعي من خلال الأخلاق التجارية. وقد شكّلت هذه البنية العريقة أساس "العصبية" (روح التضامن الاجتماعي) في سوريا.
من الإرث التاريخي المشترك إلى توازن الخوف
إن التنوع العرقي والديني الهائل في سوريا (سني، علوي، درزي، مسيحي؛ عربي، كردي، تركماني، سرياني) تحوّل في ظل نظام البعث من مصدر غنى إلى أداة للسيطرة والتفريق. ومنذ ستينيات القرن الماضي، أخضعت أيديولوجيا البعث المؤسسية المجتمع عبر سياسات "الأمننة". وتحت ذريعة حماية حقوق الأقليات، أقام النظام في الواقع "توازن خوف" حرّض المجتمع بعضه ضد بعض. وقد أُجبرت البُنى المدنية والجماعات الدينية، وهي الديناميات الطبيعية للمجتمع، على أن تصبح امتدادات لشبكة المخابرات. وحلّت المركزية الصارمة واختبارات الولاء محل "السلام الحضري العثماني". إن مقاومة حلب للانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، والحركة المحلية بقيادة إبراهيم هنانو، تُظهر الجذور العميقة لنضال الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة. إلا أن نظام البعث سعى إلى تجفيف هذا النبع النبيل عبر فرض قبضة أيديولوجية على كل مناحي الحياة، من حقوق الملكية إلى النظام التعليمي. وأصبح الناس عاجزين عن الثقة ببعضهم البعض أو التعبير عن آرائهم الحقيقية في المجال العام. وبدأت عملية "انكفاء اجتماعي" كانت من أبرز مؤشرات العاصفة القادمة.
صراع من أجل الوجود
بحلول عام 2011، عندما وصلت موجة "الكرامة والحرية" التي اجتاحت المنطقة إلى سوريا، لم يكن ما حدث مجرد مطالب مدنية، بل عملية إبادة بدأها النظام نفسه. فقد كانت أحداث درعا، التي بدأت بقلع أظافر أطفال كتبوا شعارات الحرية على جدران المدارس، القشة التي قصمت ظهر الشعب السوري. وكما تم التأكيد عليه في تقارير بلبُل زاده وبيكام، فإن انتهاك الكرامة الإنسانية ظهر هنا كسياسة دولة. وردّ النظام على مطالب الشعب بالرفاه والحرية لا بالإصلاح، بل بالدبابات والبراميل المتفجرة والمجازر المنهجية. وسرعان ما انتشر النداء الصادر من درعا إلى حمص وحماة، وصولًا إلى حلب العريقة. بالنسبة للشعب السوري، لم يكن هذا مجرد سعي إلى تغيير سياسي، بل كان صراعًا من أجل الوجود. وللحفاظ على سلطته، لم يتردد النظام في تدمير مدن سوريا. وقد تم التضحية بالإرث المعماري والاجتماعي الممتد لآلاف السنين من أجل بقاء النظام. وما بدأ كمظاهرات سلمية تحوّل، بفعل الاستفزازات المتعمدة وفرضية "إما أنا أو الفوضى"، إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية وتعقيدًا في التاريخ. ومن تلك اللحظة، لم يعد هناك طريق للعودة؛ إذ كان طريق الفجر بالنسبة للشعب السوري مرصوفًا بالتضحيات الجسيمة والهجرة. وقد قدّم الشعب السوري نحو مليون شهيد في سبيل الحرية، وتم اعتقال أكثر من 900 ألف شخص منذ عام 2011 حتى سقوط النظام، وتوفي كثير منهم في السجون.
من يلعبون الشطرنج على الخريطة ومن ينقذون الأرواح من داخل البيت المحترق
للأسف، لم يعد الملف السوري قضية داخلية في وقت قصير. فقد تعاملت القوى العالمية مع سوريا كأنها مختبر ضخم تختبر فيه أسلحتها الجديدة ومناوراتها الجيوسياسية. والمؤلم أن ضحايا هذا المختبر كانوا الأطفال الأبرياء والنساء والمدنيين. أما نحن، فلم نرَ هناك مختبرًا، بل رأينا "سوقًا للأرواح"، ورأينا قبل كل شيء "حق الجوار" الممتد لألف عام. وبينما كانوا يلعبون الشطرنج على الخريطة، كنا نحن نسعى لإنقاذ الأرواح من داخل بيت يحترق.
مشروع منظم لتصفية شعب
إن صرخة الحرية التي أطلقها الشعب السوري لم تصطدم فقط بجدران نظام البعث، بل اصطدمت أيضًا بمصالح القوى الإقليمية والدولية. فإيران وروسيا لم تكتفيا بتقديم الدعم السياسي لقمع مطالب الشعب المشروعة، بل أقامتا مظلة لوجستية وعسكرية أُريقت تحتها دماء في كل شبر من الأرض. ومع تدخلها المباشر عام 2015، استهدفت روسيا الأحياء السكنية والمستشفيات والأفران من الجو، بينما أصبحت إيران، عبر الميليشيات التي أرسلتها إلى المنطقة، مهندسًا للتغيير الديمغرافي والعنف الطائفي على الأرض. والنقطة التي يجب التأكيد عليها هنا هي أن هذا الدعم لم يكن "دفاعًا عن دولة"، بل "تصفية لشعب". فقد سعت هذه القوى إلى إفراغ سوريا من سكانها لإقامة هيمنة أقلية موالية لها. وبالنسبة لروسيا، كانت حماية قواعدها في شرق المتوسط، وبالنسبة لإيران، كان الممر التوسعي تحت مسمى "محور المقاومة"، أكثر قيمة من حياة يتيم سوري. وهذا يُعد واحدًا من أكثر مشاريع "إعادة تأهيل الأنظمة" تنظيمًا وقسوة في التاريخ الحديث.
سحق القيم الإنسانية تحت عجلة الواقعية السياسية
فماذا فعل الغرب، الذي لا يترك لأحد راية الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ للأسف، بقيت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في موقع "المراقب" و"مسجل الأرقام" أمام المأساة السورية. فقد تعامل العالم الغربي مع سوريا ليس كقضية حقوق إنسان، بل كمشكلة "أمن وضبط هجرة" فقط. لقد خافوا من موجات الهجرة التي قد تصل إلى حدودهم أكثر مما خافوا من الأطفال الذين يُخنقون بالأسلحة الكيميائية. وخلال هذه العملية، أُعلنت "خطوط حمراء"، لكنها دُوست مرارًا بدماء الأبرياء دون أي تحرك فعلي من الغرب. بالنسبة لهم، كانت سوريا مجرد منطقة عازلة يجب احتواء التطرف فيها. وهكذا سُحقت القيم الإنسانية تحت عجلة المصالح السياسية. وكان هذا الصمت بمثابة موافقة ضمنية شرعنت المجازر التي ارتكبها النظام وداعموه. وبينما كانت مسارات جنيف تُستهلك على طاولات التفاوض، كان مئات الأشخاص يُدفنون يوميًا على الأرض.
محاولة إعادة التصميم عبر الإرهاب واغتيال اجتماعي
أما العامل الذي أطال أمد الحرب ووجّه الضربة الأكبر لمستقبل سوريا، فهو الشراكة المثيرة للجدل التي أقامتها الولايات المتحدة تحت ذريعة "مكافحة داعش". إن استراتيجية القضاء على تنظيم إرهابي (PYD/YPG) عبر تنظيم إرهابي آخر (داعش) خلّفت جراحًا لا يمكن تداركها في المنطقة. وكما أظهرت تقارير مركز SETA حول "بنية PKK في سوريا"، فإن الدعم المكثف بالأسلحة والذخيرة والمعلومات الاستخباراتية الذي قدمته الولايات المتحدة، حوّل PYD إلى "قوة وكيلة" في المنطقة. وهذه ليست مجرد قضية أمنية، بل هي اعتداء على وحدة الأراضي السورية ونسيجها الاجتماعي. إن منع عودة السكان إلى المناطق التي تم تطهيرها من داعش، وتهجير العرب والتركمان من أراضيهم التاريخية، ومحاولة إنشاء "ممر إرهابي"، كانت من أبرز العوامل التي أطالت أمد الحرب لعقد إضافي على الأقل. وبينما أنشأ الغرب "أداته الوظيفية" على الأرض، همّش ثورة الشعب السوري ومعارضته المشروعة. واليوم، فإن أكبر عائق أمام تحقيق العدالة والاستقرار في سوريا هو هذا النهج القائم على "إعادة التصميم عبر الإرهاب".
حركة عظيمة لإحياء الإنسان في مواجهة تدمير الإنسان
أيها الأصدقاء الأعزاء، بينما يُناقش ملف اللاجئين في عواصم العالم على أنه "أزمة يجب إدارتها" أو "موجة يجب إيقافها"، فإننا لم ننظر إلى هذه القضية لا بالأرقام ولا بالأسلاك الشائكة. بالنسبة لنا، أن نكون "أنصارًا" ليس منّة، بل هو وفاء لدينٍ قديم وامتثال لحق الأخوّة الممتد عبر ألف عام. إن الأربعة ملايين من إخوتنا الذين نستضيفهم اليوم في بلادنا ليسوا مجرد لاجئين؛ بل هم أمانة حملنا إياها التاريخ والجغرافيا وعقيدتنا. لقد حملت تركيا، في وقتٍ صمت فيه الضمير العالمي، شرف الإنسانية على عاتقها وحدها.
منذ اليوم الأول للحرب، أصبحت تركيا ملاذًا لملايين الفارّين من الموت عبر "سياسة الباب المفتوح". ووفقًا لبيانات رئاسة إدارة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية، فإننا اليوم الدولة الأكثر استضافة للاجئين في العالم. لكن هذا ليس مجرد نجاح رقمي، بل هو معجزة اجتماعية. ففي عصرٍ شهدت فيه دول غربية أزمات سياسية بسبب بضعة آلاف من اللاجئين، وبنت الجدران على حدودها، استطاعت تركيا أن تستوعب أربعة ملايين إنسان دون أن تسمح بحدوث فوضى اجتماعية. وخلال هذه العملية، أنشأت مؤسسات مثل الهلال الأحمر و"آفاد" وسائر منظمات المجتمع المدني مراكز إيواء حديثة على حدودنا، فيما دعّمت مؤسسات مدنية مثل مؤسسة بلبُل زاده هذا الجهد بروح إنسانية. وتُظهر الدراسات الميدانية التي أجراها مركز "بيكام" حول "ثقافة التعايش" أن تركيا لم تكتفِ بمشاركة خبزها، بل بنت أيضًا تصورًا لـ"مستقبل مشترك". إن هذا ليس مجرد إدارة للهجرة، بل هو حركة عظيمة لـ"إحياء الإنسان" في مواجهة "تدمير الإنسان".
فتح ممر حياة للمدنيين
لقد سعت وسائل الإعلام الدولية في كثير من الأحيان إلى تصوير عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" التي نفذتها تركيا على أنها مجرد عمليات عسكرية. لكننا نعلم أن الهدف الحقيقي لهذه العمليات كان فتح شريان حياة للمدنيين الذين يرزحون تحت قبضة التنظيمات الإرهابية. فمن خلال منع إقامة "دولة إرهابية" على حدودها، وفّرت تركيا أيضًا فرصة "العودة الآمنة" لمئات الآلاف من السوريين الفارّين من ظلم داعش وPKK/PYD. وهذه العمليات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي أيضًا مبادرات تنموية إنسانية. وبفضل هذه العمليات، تمكن السكان الذين تم تهجيرهم من قراهم بفعل الهندسة الديمغرافية التي مارستها التنظيمات الإرهابية من العودة إلى أراضيهم وحقول الزيتون ومنازلهم. وقد توّجت تركيا هذا النجاح العسكري بإنجاز دبلوماسي، محوّلةً شمال سوريا إلى "جزيرة سلام" خالية من حروب الوكالة التي تخوضها القوى العالمية.
بناء الأمل والعدالة لا المباني فقط
إن استراتيجيتنا في المناطق الآمنة لا تقتصر على رسم خط عسكري فحسب، بل تمثل حياةً متجددة تنبض بالمدارس والمستشفيات والمخابز والأسواق. وبالتنسيق مع الولايات ومنظمات المجتمع المدني، تم إنشاء مجالس محلية وبدأت آليات الإدارة المدنية بالعمل. وكما شهدنا بأنفسنا في مؤسسة بلبُل زاده، فإن آلاف الأطفال يواصلون تعليمهم في هذه المناطق، ويتلقون العلاج في المستشفيات التي أنشأها الهلال الأحمر التركي. ولم تكتفِ تركيا بتأمين حدودها، بل طبّقت نموذج "الإيواء في المكان"، مما أتاح للناس بناء حياة كريمة في وطنهم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد العائدين من الخارج قد بلغ 1.5 مليون شخص، إلا أن العملية لا تزال بحاجة إلى الدعم بسبب الدمار ونقص الخدمات. وفي إدلب، التي تم الحفاظ عليها كمنطقة خفض تصعيد، تم إنشاء درع إنساني مماثل. وقد مثّل هذا الخط، بعمق 30 كيلومترًا، "فرصة ثانية" لملايين المدنيين السوريين، إلى جانب إبعاده للتهديدات الإرهابية مثل PYD وداعش عن حدودنا. واليوم، نحن لا نبني هناك المباني فقط؛ بل نبني الأمل والعدالة ومستقبل سوريا.
من ركام الحجارة إلى الحضارة: مطبخ الإحياء الصامت
أيها الأصدقاء الأعزاء، نحن كجنود في ميدان العمل المدني ندرك حقيقةً مهمة: يمكنكم إعادة إعمار مدينة وبناء ما تهدّم من مبانٍ، لكن إن لم تُحيوا العقول والقلوب، فلن تتمكن تلك الأكوام من الحجارة من إقامة حضارة. وبينما كنا نرفع الأبنية في المناطق الآمنة، جعلنا من إحياء الإنسان، الذي سيملأ تلك الأبنية روحًا، أعظم واجباتنا. إن "بيكام" ومؤسسة بلبُل زاده هما مطبخ هذا الإحياء الصامت.
إن أخطر نتائج الأزمة السورية هي خطر "الأجيال الضائعة" التي لا يمكن حصرها بالأرقام. وقد وقفنا، كمؤسسة بلبُل زاده وبيكام، سداً منيعًا أمام هذا الخطر بدقة أكاديمية وحماس مدني. لقد نظرنا إلى التعليم ليس كمجرد نقل للمناهج، بل كبناء للهوية والانتماء. ومن خلال مشاريعنا في المناطق الآمنة وداخل تركيا، منعنا عشرات الآلاف من الأطفال من استبدال الأقلام بالأسلحة. وقد أعادت كتب "الاندماج الاجتماعي" والمناهج التي أعدها بيكام تفسير الأخوّة التاريخية بين الشعبين بلغة علم الاجتماع الحديث. وهذه الجهود لا تهدف فقط إلى إنقاذ الحاضر، بل إلى إعداد البنية الفكرية للمهندسين والأطباء والمعلمين الذين سيبنون سوريا الغد. إن مراكز الثقافة والتعليم التي أنشأناها في شمال سوريا لا تعلّم الأطفال الرياضيات فقط، بل تغرس فيهم قيم العدالة والحرية وأخلاقيات التعايش.
نعزز دعائم جسر الحضارة
إن رؤيتنا لا تقتصر على الحدود. فالمراكز الثقافية التي افتُتحت في المناطق الآمنة (أعزاز، الباب، جرابلس، عفرين) بقيادة مؤسسة بلبُل زاده، هي بمثابة واحات. هذه المراكز تبدد رمادية الحرب بالفن والأدب والفكر. لكن هدفنا الأسمى هو نقل هذا الزخم المدني إلى أسواق حلب العريقة وأزقة دمشق التي تعبق بتاريخها الأموي. إن المراكز الثقافية التي افتُتحت أو يُخطط لافتتاحها في حلب ودمشق هي مشروع لإحياء "أناقة حلب" التي ذكرناها في بداية حديثنا. هذه المراكز، التي تمزج بين روح مقاومة إبراهيم هنانو والرؤية الجمالية النبوية، تحافظ على الذاكرة الفكرية لسوريا. وهي منصات حرية يجتمع فيها المثقفون والشباب والفنانون السوريون لتخيّل "سوريا الجديدة". نحن لا نفتح هناك مجرد فروع لمؤسسة، بل نرسّخ دعائم جسر حضاري يمتد لألف عام.
الآن هو وقت النهوض بسوريا مع السوريين
إخوتي الأعزاء، لكل شتاء ربيع، ولكل ليل فجر. إن الثامن من ديسمبر 2024 ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو يوم تُوّج فيه نضال الكرامة بالنصر، وانقشع فيه ظلام دام ستين عامًا. ومع هبوب رياح الحرية في دمشق، لم يعد دورنا كفاعلين في المجتمع المدني هو الشكوى أو إحصاء الجراح، بل إعادة بناء المستقبل بوحدة القلوب والأيدي. لقد حان وقت النهوض من أجل سوريا، والنهوض بسوريا مع السوريين.
إن انهيار نظام البعث في 8 ديسمبر 2024 لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان ثورة في العقلية. وتُظهر دراساتنا الميدانية بعد الثورة أن الشعب السوري قدّم أفضل رد على السياسات الطائفية والانقسامية من خلال وحدته. إن سرعة تأسيس الإدارات المحلية في دمشق وحلب وحمص وحماة أثبتت نضج المجتمع المدني السوري. لقد فرّ بشار الأسد إلى موسكو حاملاً مليارات الدولارات والذهب، تاركًا دولةً بلا خزانة وبنية تحتية مدمرة بنسبة 65%. ومع ذلك، أطلق الثوار نهجًا إنسانيًا قائمًا على التسامح بقولهم: "اذهبوا فأنتم أحرار"، وتم تأسيس الهيئة العليا للعدالة الانتقالية لإدارة هذه المرحلة. وخلال هذه العملية، منعت تركيا، بدبلوماسيتها الحكيمة، انزلاق الثورة إلى الفوضى، وضمنت أن يبقى الانتقال في إطار إنساني. هذا هو نهوض سوريا من رمادها. ولم يعد أمامنا شعب تحكمه "إمبراطورية الخوف"، بل أفراد أحرار يبنون مجالسهم، ويؤمّنون أمنهم، ويصنعون مستقبلهم.
تركيا كدليل ورفيق طريق
إن دور تركيا في إعادة بناء سوريا الجديدة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا ليس دور "وصي"، بل "دليل ورفيق". إن أهم دافع لعودة السوريين الطوعية والكريمة هو الأمن والاستقرار. وتمتلك تركيا الخبرة الكافية لتعميم نماذج الإدارة المحلية والتعليم والصحة التي أنشأتها في المناطق الآمنة على كامل الأراضي السورية. كما أن سنّ القوانين الحديثة للأحزاب السياسية والإعلام ومدونات السلوك يمثل خطوة مهمة في بناء دولة القانون. وعلى الصعيد الاقتصادي، يُعد رفع عقوبات "قانون قيصر" بدعم من قطر والسعودية إنجازًا مهمًا فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية. أما التحديات الراهنة فتشمل احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة في القنيطرة، واستكمال إزالة بقايا SDG/PKK، ودمج الدروز في السويداء ضمن الدولة. إن إعادة إعمار النسيج التاريخي لدمشق وحلب، ودمج الاقتصاد السوري مع صناعات غازي عنتاب وهاتاي وشانلي أورفا، سيخلق معجزة تنموية إقليمية. رؤيتنا هي سوريا يسودها القانون، وتتمتع جامعاتها بالاستقلال، وتستعيد أسواق حلب حيويتها القديمة.
من الإغاثة إلى التنمية: ورشة مستقبل جديدة
ومن هنا، أدعو جميع ممثلي المجتمع المدني على الصعيدين الوطني والدولي: لقد حان الوقت لإغلاق مرحلة "الإغاثة العاجلة" والانتقال إلى "التنمية المستدامة". لا يكفي إيصال الخبز؛ بل يجب بناء المخبز الذي ينتجه، والطاقة التي تشغّله، والجامعات التي تُخرّج المهندسين القادرين على تأسيس هذه المنظومة. إن تكلفة إعادة الإعمار التي تتجاوز 600 مليار دولار تُظهر حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المنظمات. وعلى المجتمع المدني الدولي أن يساهم في تعزيز المؤسسات السورية وبناء منظومة العدالة. فالناس لا يريدون العودة إلى بيوت فقط، بل إلى مستقبل. ولتحقيق ذلك، يجب إنشاء "ورشة" جديدة تجمع بين الأكاديميا والمجتمع المدني، وبين الدولة والشعب. إن الخطط الاستراتيجية التي أعدّتها مؤسسة بلبُل زاده والخبرة التي اكتسبناها على الأرض هي في خدمتكم. فلنعمل معًا على إعادة بناء سوريا، ليس فقط ماديًا، بل روحيًا وفكريًا أيضًا.

