أكد تورغاي الدمير، رئيس وقف بلبل زاده، في كلمته خلال برنامج الإفطار التقليدي، أن رمضان هو وقت للمراجعة الفكرية، مشددًا على أن الهدف الأسمى هو توسيع نطاق الخير لا الموارد المادية.
أصدقائي الأعزاء، ضيوفنا الكرام...
نعيش اليوم طمأنينة مشاركة المائدة ذاتها في مناخ الرحمة والبركة الذي يظلنا به شهر رمضان. نحمد ربنا الذي جمعنا على مائدة الإفطار المباركة هذه، وأقول لكم جميعاً: أهلاً ومرحباً بكم، حللتم أهلاً ووطئتم سهلاً. حقاً، نحن في فترة يعاد فيها تنظيم كل شيء، ويُعاد فيها تحديد إيقاع الحياة.
إن العصر الذي نمر به يقدم لنا إمكانيات هائلة وسرعة واتصالاً، ولكن في الوقت نفسه، فإن عصر السرعة هذا غالباً ما يمنعنا من التفكير والمحاسبة والبحث عن المعنى، ويبعدنا عن الحقيقة. وهنا يأتي رمضان ليدعونا إلى التوقف والتفكير والتأني، ويضفي على حياتنا معنىً استثنائياً. نحن لا نجتمع حول هذه الموائد لمجرد سد جوعنا، بل نحن هنا لنتذكر استقامة حياتنا من خلال الصيام والقرآن والإنفاق.
يقول ربنا في سورة الأنبياء، الآية 51: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾. التفكير السليم (الرشد) هو عملية محاسبة ومحاكمة عقلية نجمع بها شتات أنفسنا طوال العام. هذه القدرة، التي توصف في الحضارة الإسلامية بـ "الرشد"، هي حالة من البصيرة وإعادة إدراك الحقيقة وسط فوضى العصر. إن إيماننا لا يعلمنا العبادة فحسب، بل يعلمنا أيضاً تحمل المسؤولية، والتدخل في تفاصيل الحياة، والحساسية تجاه الأحداث الاجتماعية. الموقف الإبراهيمي ليس استسلاماً أعمى، بل هو لقاء العقل والفكر والعرفان في واقع الحياة. وإن مقبلاتنا وقراءاتنا في رمضان ترتقي بنا إلى هذا المستوى من الوعي.
الإسلام الفاعل ومجموعات مفاهيمنا الجديدة
في عقيدتنا، العبادات لا تفصل الإنسان عن الحياة. فإذا كان صيامنا وصلاتنا يحولاننا إلى أفراد سلبيين، لا يلمسون أحداً ولا يحملون قضية، فعلينا أن نواجه أنفسنا. إن السر الذي يجعل الإنسان "أشرف المخلوقات" هو قدرته على التعقل والتفكير وقول كلمة في مجرى الحياة. يجب أن يكون الإنسان قادراً على قول "هذا خطأ" و"هذا صواب"، وأن ينتج مفاهيم جديدة من خلال الحوار والتشاور.
أيها الأصدقاء الأعزاء، إن مجموعات المفاهيم المتاحة اليوم لا تكفي لحل مشكلاتنا. نحن بحاجة إلى "علم آلة" جديد، وإلى وصفات جديدة. لقد رأينا ما فعلته بنا الوصفات المستوردة من الآخرين. وكما قال جميل ميريتش: "تحت تأثير التحديث، وقعنا في وضع البستاني الذي سرق أدوية سيده وشربها". يجب أن نعيد تناول هذه المسألة من خلال عالمنا التفكرى وتاريخنا الخاص. لم تعد القراءات القديمة والعقول القديمة تكفي؛ نحن بحاجة إلى عقول جديدة وكتب جديدة. حتى سيدنا موسى عليه السلام قال "وحده لا يكفي" وطلب هارون. منظمات المجتمع المدني وحدها لا تكفي؛ كل واحد منا بحاجة إلى الآخر.
دور غازي عنتاب في وحدتنا
في هذه النقطة، تقف غازي عنتاب في مكانة استثنائية. فهذه المدينة التي يتدفق فيها إيقاع الشرق والغرب، انضمت إليها حلب الآن. يجب علينا أن نفهم غازي عنتاب بشكل صحيح بإنتاجها وتعليمها وثقافتها وعمارتها. إن رؤية "قرن تركيا" هي إيقاع جديد حيث يلتقي مثال بلدنا وجغرافيتنا ومنطقة خالية من الإرهاب بعقل الدولة والشعب معاً. يجب أن نعمل من أجل أخوة الأتراك والأكراد والعرب في الأناضول وبلاد الشام. هذه الأرض ليس فيها "آخَر"، والآخَر الوحيد هو الشيطان. عاصمتنا في تصورنا للوطن هي الأناضول. يجب أن ينتهي ذلك الشوق القديم بين عنتاب وحلب وإسطنبول ودمشق والقدس؛ فنحن أبناء يعقوب الذين فُرق بينهم.
نحن نجدد أنفسنا باستمرار
بصفتنا وقف بلبل زاده، نحن نجدد أنفسنا باستمرار. فعندما رأينا أن الدولة تقدم خدمات السكن الطلابي بأفضل طريقة، قمنا فوراً بمراجعة أنفسنا وأضفنا قيمة للمدينة من خلال تحويل مبنى الوقف الحالي إلى مركز للمؤتمرات. نحن ننتج طاقتنا الخاصة، ونقوم بالإنتاج في ورشنا في منطقة الزلزال. نحن أمة كتاب؛ ويجب علينا أن نجمع بين العرفان الأناضولي والحياة من خلال الفن والفكر والحكمة.
تستمر أعمالنا التعليمية والثقافية في سوريا أيضاً. فمن خلال ترميم أثر عثماني بني عام 1912، أنشأنا المركز الثقافي الأناضولي. نحن نخدم في دمشق وحلب ومناطق مختلفة من سوريا بثمانية مرافق وخمسة مراكز ثقافية ومراكز عائلية. ونبذل قصارى جهدنا من خلال أعمالنا التي تركز على الطفل والشباب والفكر والتعليم لإيصال النتاج الفكري بين المنطقتين.
لنوسع آفاق قلوبنا
تقول المفكرة الكبيرة سميحة آيفردي: "إذا جاءكم أحد بهمّه فلا تردوه، لأن همّه قد وصل إلى الله أولاً، وقد أرسله الله إليكم لتقوموا بحله". بهذا الوعي، يجب أن نرى كل همّ يأتي إلى بابنا كأمانة إلهية. وكما قال الأستاذ الدكتور محمد غورماز: "لقد اتسعت جغرافية قلوبنا، ولكننا لم نستطع توسيع قلوبنا بنفس القدر". رمضان هو تحديداً شهر إزالة هذه الجدران، وفتح عقولنا، وتوسيع قلوبنا. غايتنا ليست مجرد تنمية الإمكانيات بل إنماء الخير.
بمبدأ "أحيِ الإنسان لتسيا الدولة"، يجب أن نربي أناساً وقورين كالدولة وواسعي القلوب. نحن في وقف بلبل زاده نعمل من أجل إصلاح الجيل وعمارة الأرض، ومن أجل عقل ينتج ولا يستهلك فحسب، ويتدخل في مجريات العصر. يجب علينا جميعاً أن نضع لوحة "من تساوى يوماه فهو مغبون" أمام أعيننا.
العيد هو الفرح الروحي لأولئك الذين يجمعون قلوبهم بالرحمة، وعقولهم بالحكمة، وجهدهم بالخير. هو يوم يلتقي فيه القادرون على التفكير السليم والذين يفتحون مساحة للجميع في قلوبهم. أشكر كلاً منكم على حدة لتشريفكم مائدتنا بهذه المشاعر والأفكار. وأخص بالذكر أصدقاءنا القادمين من حلب الذين أضافوا لنا قيمة كبيرة. لقد عشنا في العام الماضي فخر جمع المسلمين وغير المسلمين على مائدة إفطار واحدة في حلب.
نسأل الله أن يبلغنا العيد ونحن من المغفور لهم.

