Logo
Page Top
تركيا والدبلوماسية المدنية في إعادة بناء سوريا الجديدة
تركيا والدبلوماسية المدنية في إعادة بناء سوريا الجديدة

تركيا والدبلوماسية المدنية في إعادة بناء سوريا الجديدة

05 Haziran 2026

كلمة تورغاي الديمير في جلسة المفاوضات الاستراتيجية حول الشتات المدني وسوريا:

I. قدر وجغرافيا الحزن

تستند العلاقات بين تركيا وسوريا إلى تكامل تاريخي وثقافي عميق يمتد إلى ما وراء الحدود السياسية التي ظهرت في العصر الحديث. إن التفاعل الاجتماعي، الذي تشكل خاصة على محور غازي عنتاب-حلب، قد تطور عبر القرون من خلال شبكات التجارة المشتركة، والممارسات الدينية، وثقافة الحياة اليومية، وأشكال التضامن الاجتماعي المتبادل، ليصبح أحد العناصر الأساسية المحددة لهوية المنطقة. لهذا السبب، لا ينبغي تقييم الأزمة في سوريا مجرد تحول إنساني وسياسي في بلد مجاور، بل كعملية تؤثر بشكل مباشر على الذاكرة التاريخية لتركيا، واستمراريتها الثقافية، وروابطها الاجتماعية الإقليمية.

إن المعنى الذي تحمله حلب بالنسبة لغازي عنتاب يتجاوز الشراكة الاقتصادية، ليأخذ صفة "التوأمة الحضرية" التي تشكلت من خلال ممارسات الحياة المشتركة والتقارب الثقافي. ولم تلغِ الحدود التي رسمت لاحقاً في المنطقة الذاكرة المشتركة والتفاعل الثقافي الذي تشكل بين المجتمعين عبر القرون، بل على العكس من ذلك، جعلت العمق السوسيولوجي لهذه الروابط أكثر وضوحاً. وتمثل مدن مثل دمشق وحلب وإدلب، بالنسبة لقطاع كبير من المجتمع التركي، مساحة من الأخوة المنسوجة بالعقيدة المشتركة، والطقوس المشتركة، والرموز الثقافية المشتركة، بدلاً من كونها جغرافيا غريبة.

وعندما نقيم آثار الأزمة السورية على البنية الاجتماعية الإقليمية، والاستمرارية التاريخية على خط غازي عنتاب-حلب، والديناميكيات الإنسانية والاقتصادية والثقافية الناشئة في هذا السياق:

1. لوحة ما قبل الحرب: الميراث العريق ونقطة العقدة الاستراتيجية

سوريا ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل هي نقطة التقاء تندمج فيها بركة البحر الأبيض المتوسط، وأمن الأناضول، والمعرفة القديمة لبلاد ما بين النهرين. وتحت الإدارة العثمانية، كانت حلب ثالث أكبر مدينة في الإمبراطورية وأكثرها استراتيجية بعد إسطنبول والقاهرة. كانت حلب، بصفتها "مدينة القوافل"، مركزاً لامتزاج الثقافات والأديان وليس البضائع فحسب. إن تلك "الرقة والنظافة" التي تحدث عنها ألكسندر راسيل بإعجاب عند زيارته للمدينة في القرن الثامن عشر، كانت في الواقع انعكاساً مادياً لـ "قانون العيش المشترك" في المنطقة.

ولا تقتصر القيمة الاستراتيجية لسوريا على موقعها على طريق الحرير فحسب. فهذا المكان هو "مركز توازن" تأسس أو دمر فيه النظام الإقليمي عبر التاريخ. وفي سوريا ما قبل النظام، كان هناك هيكل تعيش فيه مجموعات عقائدية مختلفة مع مراعاة حقوق بعضها البعض ضمن ثقافة الحي الواحد. وكانت أسواق حلب (السوق) أماكن يخضع فيها التجار المسلمون والمسيحيون واليهود لقواعد الصنف (النظام النقابي) نفسها، وحيث ترسخ السلام الاجتماعي بالأخلاق التجارية. وكانت هذه البنية العريقة هي حجر الأساس الذي شكل "عصبية" سوريا (روح التضامن الاجتماعي).

2. تخريب البعث: عسكرة التنوع والاغتراب الاجتماعي

إن هذا التنوع العرقي والديني الهائل الذي تتمتع به سوريا (سني، نصيري، درزي، مسيحي، عربي، كردي، تركماني، سرياني) قد تحول في ظل نظام البعث من ثراء إلى "أداة للحكم والتفريق". وتسلّمت أيديولوجية البعث، التي تم مأسستها منذ الستينيات، المجتمع بسياسات "الأمننة". وأقام النظام، تحت مصلحة حماية حقوق الأقليات، "توازن رعب" يحرض في الواقع المجتمع بأسره ضد بعضه البعض.

وأُجبرت الهياكل المدنية والجماعات الدينية، التي تعد الديناميكيات الطبيعية للمجتمع، على أن تصبح جزءاً من شبكة مخابرات النظام. وحلّت المركزية الصارمة واختبارات الولاء محل ذلك "السلام الحضري العثماني" الذي يعد ميراثنا التاريخي المشترك. إن المقاومة التي أبدتها حلب ضد الانتداب الفرنسي في العشرينيات والحركة المحلية بقيادة إبراهيم هنانو، تظهر مدى عمق العرق الذي يمتلكه الشعب السوري في الواقع من أجل الحرية والكرامة. ومع ذلك، ومن أجل تجفيف هذا العرق النبيل، وضع نظام البعث كل مجال من حقوق الملكية إلى نظام التعليم في ملقط أيديولوجي. وأصبح الناس غير قادرين على الثقة ببعضهم البعض، أو قول آرائهم الحقيقية في المجال العام. وبدأت عملية "انغلاق" سوسيولوجية، كانت أكبر نذير للعاصفة القادمة.

3. نقطة الانكسار: صرخة درعا وخيار النظام في الوحشية

بحلول عام 2011، عندما طرقت موجة "الكرامة والحرية" التي اجتاحت المنطقة أبواب سوريا، لم تكن اللوحة التي تمت مواجهتها مطلباً مدنياً، بل كانت عملية إبادة بدأها النظام. إن العملية التي بدأت في درعا باقتلاع أظافر الأطفال الذين كتبوا فقط أغاني الحرية على جدار المدرسة، كانت القطرة الأخيرة في صبر الشعب السوري. إن حالة "دوس الكرامة الإنسانية بالأقدام"، والتي أكدنا عليها كثيراً في تقارير بلبل زاده و"بيكام" (BEKAM)، ظهرت هنا كسياسة دولة.

ولم يستجب النظام لمطلب الشعب بالرفاهية والحرية بالإصلاح، بل بالدبابات والبراميل المتفجرة والمجازر الممنهجة. وسرعان ما امتدت الصرخة الصاعدة من درعا إلى حمص وحماة، وأخيراً إلى حلب العريقة. بالنسبة للشعب السوري، لم يكن هذا مجرد رغبة في التغيير السياسي، بل كان معركة وجود. وغامر نظام البعث بتحويل مدن سوريا إلى ركام من أجل الحفاظ على سلطته. وتمت التضحية بالنسيج المعماري الممتد لألف عام والعمق السوسيولوجي للمدن من أجل بقاء النظام. وتحولت هذه العملية، التي بدأت بمظاهرات سلمية، بسبب استفزازات النظام المتعمدة وفرض معادلة "أنا أو الفوضى"، إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية وتعقيداً في التاريخ. ولم يكن هناك طريق للعودة بعد هذه النقطة، وكان الطريق إلى الفجر بالنسبة للشعب السوري سيُعبد بتضحيات كبيرة وهجرة.

وقدم الشعب السوري نحو مليون شهيد في سبيل الحرية، واعتقل أكثر من 900 ألف سوري منذ عام 2011 وحتى سقوط النظام، استشهد قسم منهم في الزنازين.

II. حرب الوكالات وإفلاس الضمير العالمي

إن عملية الصراع التي بدأت في سوريا عام 2011 سرعان ما خرجت عن كونها قضية داخلية محلية لتتحول إلى أزمة جيوسياسية متعددة الطبقات تتدخل فيها القوى الدولية. وإن رؤية الأطراف الفاعلة العالمية للمنطقة كساحة تنافس استراتيجي قد ألبست سوريا صفة المختبر الذي تُجرب فيه التقنيات العسكرية الجديدة وتُختبر فيه توازنات القوى. وكان المدنيون هم من تحملوا العبء الأكبر للصراع في هذه العملية، حيث أصبح الأطفال والنساء والسكان المستقرون هدفاً مباشراً للحرب.

ومن منظور تركيا، لا يتم تقييم التطورات في سوريا في سياق الأمن الإقليمي فحسب، بل أيضاً من خلال التقارب التاريخي والاجتماعي. إن الأزمة الإنسانية التي شهدتها الحدود الجنوبية لتركيا قد أظهرت مجدداً الشعور بالمسؤولية التاريخية المعرف بـ "حق الجوار"، وكانت هذه الروابط التاريخية حاسمة في تشكيل السياسات الإنسانية والاجتماعية تجاه المنطقة. وفي وقت تعاملت فيه الأطراف الفاعلة الدولية مع المنطقة كلوحة شطرنج استراتيجية، تطور نهج تركيا بشكل أكبر على محور الأمن الإنساني، وحماية المدنيين، والتضامن الاجتماعي.

ومن الضروري أيضاً مناقشة عملية تدويل الأزمة السورية، وآثارها على المدنيين، والنهج الإنساني الذي طورته تركيا على أساس الروابط التاريخية والاجتماعية، وكذلك كيف حول الصراع النسيج الاجتماعي الإقليمي وكيف أُعيد تعريف العلاقات التركية-السورية في هذه العملية:

1. حماة النظام: الدعم الجيوسياسي الذي يتغذى على الدماء

لم تصطدم صرخة الحرية للشعب السوري بجدران نظام البعث فحسب، بل اصطدمت أيضاً بمصالح الأطراف الفاعلة الإقليمية والعالمية. ولم تقدم إيران وروسيا دعماً سياسياً للنظام لقمع المطالب المشروعة للشعب فحسب، بل أقامتا شخصياً مظلة لوجستية وعسكرية سقت كل شبر من الميدان بالدماء. وبينما ضربت روسيا بتدخلها المباشر عام 2015 التجمعات السكنية المدنية والمستشفيات والمخابز من الجو، كانت إيران مهندسة التغيير الديمغرافي والعنف الطائفي في الميدان عبر الميليشيات التي أرسلتها إلى المنطقة.

والنقطة التي يجب أن نلفت الانتباه إليها هنا هي أن هذا الدعم لم يكن "دفاعاً عن الدولة" بل كان "تصفية للشعب". وهدفت هذه القوى التي تقف وراء النظام إلى إقامة هيمنة أقلية موالية لها من خلال إفراغ سوريا من سكانها. وبالنسبة لروسيا، كان بقاء القواعد في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبالنسبة لإيران، الممر التوسعي تحت اسم "خط المقاومة"، يُعتبر أكثر قيمة بكثير من حياة طفل يتيم سوري. هذا هو مشروع "إعادة تأهيل النظام" الأكثر تنظيماً وقسوة مما شهده التاريخ الحديث.

2. مقعد "المتفرج" للغرب: منظومة القيم المنهارة

إذن، ماذا فعل الغرب الذي لا يترك ريادة الديمقراطية وحقوق الإنسان لأحد؟ لسوء الحظ، سقطت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في وضع "مسجل الإحصائيات" و"المتفرج" في مواجهة المأساة السورية. وقرأ العالم الغربي سوريا ليس كقضية حقوق إنسان، بل مجرد مشكلة "أمن ومراقبة الهجرة". ولم يخافوا من الأطفال الذين يختنقون بالأسلحة الكيماوية بقدر ما خافوا من موجة الهجرة التي ستدق حدودهم.

وأُعلنت "الخطوط الحمراء" طوال العملية، لكن تلك الخطوط انتهكت بدماء الأبرياء في كل مرة، ولم تأتِ أي خطوة ملموسة من الغرب. وكانت سوريا بالنسبة لهم مجرد منطقة عازلة يجب فيها كبح جماح التطرف. وسُحقت القيم الإنسانية بين تروس مصالح السياسة الواقعية. وكان هذا الصمت في حقيقته بمثابة موافقة ضمنية تشرعن مجازر النظام وداعميه. وبينما كانت عمليات جنيف تُستهلك على الطاولات، كان مئات الأشخاص يسقطون في التراب كل يوم في الميدان.

3. معادلة حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب وتنظيم داعش: وهم تأديب تنظيم إرهابي بآخر

أما الضربة الأكبر التي وُجهت لمستقبل سوريا وجعلت الحرب مزمنة، فهي الشراكة القذرة التي أدارتها الولايات المتحدة تحت مسمى "مكافحة داعش". إن استراتيجية القضاء على تنظيم إرهابي (حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب) بتنظيم إرهابي آخر (داعش) قد فتحت جراحاً لا يمكن اندمالها في المنطقة. وكما كشف مركز "سيتا" (SETA) بوضوح علمي في تقاريره حول "بنية حزب العمال الكردستاني في سوريا"، فإن الدعم المكثف بالأسلحة والذخائر والمعلومات الاستخباراتية الذي قدمته الولايات المتحدة قد جعل من حزب الاتحاد الديمقراطي "قوة وكيلة" في المنطقة.

وهذا الوضع ليس مجرد قضية أمنية، بل هو اغتيال وُجه ضد وحدة الأراضي السورية ونسيجها السوسيولوجي. وإن عدم السماح للشعب بالعودة إلى المناطق المطهرة من داعش، وطرد العرب والتركمان من ديارهم العريقة، والجهود المبذولة لإنشاء "ممر إرهابي" في المنطقة، هي العوامل الرئيسية التي أدت إلى إطالة أمد الحرب لعشر سنوات أخرى على الأقل. وبينما خلق الغرب "أداته المفيدة" في الميدان، فإنه قام بتهميش ثورة الشعب السوري ومعارضته المشروعة. وإن العقبة الأكبر أمام الفوضى التي نراها في الميدان اليوم وبحث الشعب عن العدالة، هي بالضبط مساعي "التصميم عبر الإرهاب" هذه.

III. الدبلوماسية الإنسانية لتركيا والمنطقة الآمنة

1. سياسة الباب المفتوح: عبء ضمير العالم والضيافة التركية

منذ اليوم الأول للحرب، أصبحت تركيا ملاذاً للملايين الفارين من الموت من خلال "سياسة الباب المفتوح". ووفقاً لبيانات رئاسة إدارة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية، فإننا اليوم في وضع الدولة التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم. ولكن هذا يعد معجزة سوسيولوجية أكثر من كونه نجاحاً رقمياً. وفي عصر تعيش فيه الدول الغربية أزمات سياسية وتبني جدراناً على حدودها في مواجهة بضعة آلاف من اللاجئين، استوعبت تركيا 4 ملايين شخص دون السماح بحدوث فوضى اجتماعية.

وفي هذه العملية، وبينما أنشأ الهلال الأحمر وأفاد (AFAD) ومنظماتنا الأهلية الأخرى أحدث مراكز الإيواء المؤقت في العالم على خطوط حدودنا، قامت هياكلنا المدنية مثل مؤسسة بلبل زاده بتحصين يد الرحمة هذه التي مدتها الدولة بروح مدنية. وتظهر الأبحاث الميدانية التي أجراها مركز "بيكام" حول "ثقافة العيش المشترك" أن تركيا لم تشارك خبزها في هذه العملية فحسب، بل بنت أيضاً تصوراً لـ "مستقبل مشترك". هذا ليس مجرد إدارة للهجرة، بل هو حركة "إحياء إنساني" هائلة تقف في وجه "الخراب الإنساني".

2. العمليات الميدانية: من مكافحة الإرهاب إلى "ممر الحياة"

لقد حاولت وسائل الإعلام الدولية مراراً تقديم عمليات درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام التي نفذتها تركيا على أنها مجرد عمليات عسكرية فحسب. ومع ذلك، نحن نعلم أن الهدف الحقيقي لهذه العمليات كان فتح شريان حياة للشعب المدني الذي يئن تحت وطأة التنظيمات الإرهابية. وإن تركيا، التي لم تسمح بإنشاء "دولة إرهابية" خلف حدودنا مباشرة، قد خلقت في الوقت نفسه فرصة "عودة آمنة" لمئات الآلاف من السوريين الفارين من ظلم داعش وحزب العمال الكردستاني/حزب الاتحاد الديمقراطي.

وتعد هذه العمليات خطوة تنموية إنسانية إلى جانب الأمن الإقليمي. وبفضل العمليات، أتيحت الفرصة للأشخاص الذين طردتهم التنظيمات الإرهابية من قراهم من خلال الهندسة الديمغرافية، للعودة مجدداً إلى أراضيهم وحقول زيتونهم وبيوتهم. وحولت تركيا، بتتويج هذا النجاح العسكري بنصر دبلوماسي، شمال سوريا إلى "جزيرة طمأنينة" م those طهرة من حروب الوكالة للقوى العالمية.

3. عملية البناء: إحياء الخط الآمن بطول 30 كيلومتراً

لا تقتصر استراتيجيتنا للمنطقة الآمنة على رسم خط عسكري فحسب. فهذا الخط الذي يبلغ عمقه 30 كيلومتراً هو اسم لحياة تزدهر مجدداً اليوم بمدارسها ومستشفياتها ومخابزها وأسواقها. وبتنسيق من ولاياتنا في المنطقة وبدعم من منظماتنا الأهلية، أُسست مجالس محلية في هذه المناطق، وبدأت آليات الإدارة المدنية في العمل.

وكما شهدنا بأنفسنا بصفتنا مؤسسة بلبل زاده، يواصل آلاف الأطفال اليوم حياتهم التعليمية في هذه المناطق، ويجدون الشفاء في المستشفيات التي أنشأها الهلال الأحمر التركي. ولم تأمن تركيا أمن الحدود فحسب، بل مهدت الطريق أيضاً للناس لبناء حياة كريمة في وطنهم من خلال تطبيق نموذج الإيواء في المكان.

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، بلغ عدد العائدين من الخارج 1.5 مليون شخص، ولكن العملية لا تزال بحاجة إلى الدعم بسبب غياب المنازل المدمرة ونقص الخدمات.

وتم إنشاء درع إنساني مماثل في إدلب، التي تمت حمايتها كمنطقة خفض تصعيد. وبينما أبقى هذا الخط البالغ طوله 30 كيلومتراً بؤر الإرهاب مثل حزب الاتحاد الديمقراطي وداعش بعيداً عن بلادنا في تلك الأيام، فقد تعني أيضاً "فرصة ثانية" للملايين من المدنيين السوريين. وفي الوقت الحالي، نحن لا نرفع المباني هناك فحسب، بل نبني الأمل والعدالة ومستقبل سوريا.

IV. التوافق الاجتماعي والاستثمار الفكري

1. أنشطة المنظمات الأهلية في مجالي التعليم والثقافة: بناء المستقبل

إن الحصيلة الأكثر مرارة للأزمة في سوريا هي خطر "الأجيال الضائعة" التي لا تتسع لها الإحصاءات. وبصفتنا مؤسسة بلبل زاده ومركز بيكام، أقمنا حاجزاً ضد هذا الخطر بدقة أكاديمية وحماس مدني. ولم ننظر إلى أنشطتنا التعليمية على أنها مجرد نقل للمناهج الدراسية، بل كبناء لـ "الهوية والانتماء". ومن خلال المشاريع التي نفذناها في المنطقة الآمنة وفي تركيا، منعنا أيدي عشرات الآلاف من الأطفال التي تمسك بالقلم من حمل السلاح.

وأعادت كتب "التوافق الاجتماعي" ودراسات المناهج التي أعدها مركز بيكام تفسير الأخوة العريقة بين الشعبين بلغة علم الاجتماع الحديث. ولم تكن هذه الدراسات مجرد محاولة لإنقاذ اليوم، بل كانت محاولة لإعداد البنية التحتية الفكرية للمهندسين والأطباء والمعلمين الذين سيعيدون بناء سوريا غداً. إن المراكز الثقافية والتعليمية التي افتتحناها في شمال سوريا لا تعلم الأطفال الرياضيات فحسب، بل تغرس فيهم أخلاق العدالة والحرية والعيش المشترك.

2. من المناطق الآمنة إلى حلب ودمشق: المراكز الثقافية وجسور القلوب

إن أفقنا لا يقتصر على خط الحدود فحسب. وتعد المراكز الثقافية التي افتتحت بقيادة مؤسسة بلبل زاده في المناطق الآمنة بسوريا (أعزاز، الباب، جرابلس، عفرين) بمثابة واحات. وتبدد هذه المراكز اللون الرمادي للحرب بالفن والأدب والفكر. ومع ذلك، فإن هدفنا الحقيقي هو نقل هذا العرق المدني مجدداً إلى أسواق حلب العريقة وشوارع دمشق التي تفوح منها رائحة الأمويين.

إن مراكزنا الثقافية التي افتتحت/والمخطط لافتتاحها في حلب ودمشق هي، كما أشرنا في بداية حديثنا، مشروع لإحياء "رقة حلب". وتضع هذه المراكز، التي تجمع بين روح المقاومة لإبراهيم هنانو والفهم الجمالي للنبي، الذاكرة الفكرية لسوريا تحت الحماية. وتعد هذه الأماكن منابر حرية يلتقي فيها المثقفون والشباب والفنانون السوريون ليتخيلوا "سوريا الجديدة". ونحن لم نفتح مجرد فرع للمؤسسة هناك، بل أعدنا تقوية ركائز جسر حضاري يمتد لألف عام.

V. ثورة ديسمبر 2024 وسوريا الجديدة

1. الثورة الشعبية وعقد اجتماعي جديد

إن سقوط نظام البعث اعتباراً من 8 ديسمبر 2024 ليس مجرد تغيير في السلطة، بل هو ثورة في العقلية. وتظهر الدراسات التي أجريناها في الميدان بعد الثورة أن الشعب السوري قد أعطى أفضل رد على السياسات الطائفية والتفريقية بالموقف التوحيدي الذي أظهره في الميدان. وأثبتت سرعة الشعب في تأسيس إداراته المحلية في دمشق وحلب وحمص وحماة للعالم أن سوريا تمتلك نضجاً مدنياً.

لقد فر بشار الأسد إلى موسكو بمليارات الدولارات والذهب، وتُسلمت الدولة بـ "خزينة صفرية" في نموذج دولة فاشلة وحيث دُمر 65% من البنية التحتية، وفي حين بدأ الثوار نهجاً إنسانياً بدلاً من الانتقام قائلين "اذهبوا، أنتم طلقاء"، بدأت الهيئة العليا للعدالة الانتقالية التي شُكلت لإدارة هذه العملية عملها.

وفي هذه العملية، منعت تركيا بالدبلوماسية الحكيمة التي أدارتها مع الأطراف الفاعلة في المنطقة تحول الثورة إلى فوضى، وضمنت بقاء العملية الانتقالية في إطار إنساني. هذه هي ولادة سوريا من رمادها. ولم يعد أمامنا الآن كتلة تحكمها "إمبراطورية الخوف"، بل هناك "أطراف فاعلة حرة" تؤسس مجلس الحي الخاص بها، وتؤمن أمنها الخاص، وتحافظ على مستقبلها.

2. رؤية المستقبل: إعادة الإعمار تحت توجيه تركيا

إن دور تركيا في الهيكلة السياسية والاقتصادية والثقافية لسوريا الجديدة ليس دور "الوصي"، بل دور "الموجه" و"رفيق الطريق". وإن الدافع الأكبر للعودة الكريمة والطوعية لإخواننا السوريين هو "الثقة والاستقرار". وتمتلك تركيا الخبرة اللازمة لنشر نماذج العمل البلدي والتعليم والصحة التي أنشأتها في المناطق الآمنة في السنوات الماضية على كامل الأراضي السورية الآن.

وليس بناء المباني فحسب، بل إن قانون الأحزاب السياسية الحديث وقانون الإعلام و"مدونة السلوك" المعدة للعاملين في مجال الإعلام، والتي صدرت من أجل بناء القانون، تكتسب أهمية من حيث رؤية المستقبل. وكنجاح للدبلوماسية الاقتصادية، يعد رفع عقوبات "قانون قيصر" وفتح الطريق أمام المستثمرين الأجانب بدعم من تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية نجاحاً حاسماً.

ويجب تسجيل احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة في القنيطرة مستغلة الفراغ في العملية الثورية، وعملية تطهير بقايا قوات سوريا الديمقراطية/حزب العمال الكردستاني، والجهود المبذولة لدمج الدروز في السويداء في الدولة، كبند من بنود جدول الأعمال الساخنة التي يتعين على الإدارة الجديدة حلها.

وفي المعنى الثقافي، فإن ترميم ذلك النسيج العريق لدمشق وحلب، وفي المعنى الاقتصادي، فإن دمج الإمكانات الإنتاجية لسوريا مع صناعة غازي عنتاب وهاتاي وشانلي أورفا سيخلق معجزة تنموية إقليمية. ورؤيتنا هي سوريا تكون فيها الجامعات مستقلة، وسيادة القانون مكفولة، وحيث يستعيد سوق حلب بهجته القديمة.

3. دعوة تاريخية للمنظمات الأهلية: "من الإغاثة إلى التنمية"

أتوجه من هنا إلى جميع ممثلي المجتمع المدني المحلي والدولي: يجب علينا الآن إغلاق قوس "المساعدات الطارئة" والانتقال إلى صفحة "التنمية المستدامة". ولا يكفي مجرد إيصال الخبز، بل يجب علينا بناء المخبز الذي سينتج ذلك الخبز، والطاقة التي ستشغل ذلك المخبز، والجامعات التي ستخرج المهندس الذي سيؤسس نظام الطاقة ذاك.

ولا ينبغي تجاهل حقيقة أن الموارد اللازمة لعملية إعادة الإعمار تتجاوز 600 مليار دولار، مما يظهر حجم العبء الملقى على عاتق المنظمات الأهلية.

ويجب على المجتمع المدني الدولي أن يتحمل المسؤولية في تعزيز المؤسسات المدنية وبناء آليات العدالة في سوريا. فالناس لا يريدون العودة إلى منزل فحسب، بل يريدون العودة إلى مستقبل. ولتنفيذ بناء هذا المستقبل، يجب علينا إنشاء "ورشة عمل" جديدة تجمع بين الأكاديمية والمجتمع المدني، والبيروقراطية والشعب. وإن الخطط الاستراتيجية التي أعددناها بصفتنا مؤسسة بلبل زاده والخبرة التي اكتسبناها في الميدان هي تحت تصرفكم. تعالوا لننهض بسوريا معاً ليس جسدياً فحسب، بل روحياً وفكرياً أيضاً!

بخطوة صغيرة، يمكنك صنع تغيير كبير

من خلال انضمامكم إلى مشاريعنا التي تشمل التعليم والغذاء والصحة والتضامن الاجتماعي، يمكنكـم أن تكونوا نوراً يضيء حياة إنسان، لنزرع معاً بذور الأمل في المستقبل.

 

كن أنت جزءاً من مسيرة الخير!

تبرع سريع
اختر المشروع
₺1.000
₺2.000
₺3.000

الفعاليات

نثرخجسح
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293012345
6789101112

شركاتنا التابعة

مؤسساتنا

شراكاتنا

اشترك
يمكنك الاشتراك في قائمتنا البريدية للبقاء على اطلاع بأحدث التحديثات التي ينشرها وقف بُلبُل زاده.
Logo

تستلهم مؤسسة بلبل زاده مسيرتها من التاريخ العريق لمدينة غازي عنتاب، وتعمل برؤية تهدف إلى نقل الميراث الثقافي من الماضي إلى المستقبل. وتواصل مؤسستنا، التي تضع التنمية المجتمعية في قلب اهتماماتها، مساهمتها بكل عزم في بناء تركيا الحديثة من خلال مشاريعها النوعية في مجالات التعليم والثقافة.

-

XYouTubeFacebookLinkedInIstagram
Logo

نتيجةً لطلب وقفنا، وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 8097 بتاريخ 17 يناير 2024، مُنح وقفنا «إعفاءً ضريبيًا» وفقًا للمادة 20 من القانون رقم 4962. وفيما يلي بعض الحقوق الممنوحة لوقفنا بموجب القانون رقم 4962 المذكور، والتعميم العام بشأن منح الإعفاء الضريبي للأوقاف، وغيرها من القوانين ذات الصلة.

حقوق النشر 2024 جميع الحقوق محفوظة.Nowismedia
Kişisel veriler3