Logo
Page Top
من مسح الآفاق إلى انصهار الآفاق: البحث عن انبعاث مجتمعي جديد
من مسح الآفاق إلى انصهار الآفاق: البحث عن انبعاث مجتمعي جديد

من مسح الآفاق إلى انصهار الآفاق: البحث عن انبعاث مجتمعي جديد

09 Mayıs 2026

هذا هو النص الكامل للكلمة التي ألقاها تورغاي الدمير رئيس وقف بلبل زاده في برنامج التدريب أثناء الخدمة الذي عُقد في كوزاكلي بنيوشهير. تتناول هذه الدراسة دور المجتمع المدني في الأجواء الاجتماعية والثقافية والفكرية سريعة التغير في هذا العصر وظاهرة الإرهاق الديني والحاجة إلى الانبعاث المجتمعي والتموضع الذهني للفرد. ويتم من خلال تجارب اتحاد الأناضول الميدانية مناقشة نموذج جديد للتجديد المجتمعي يتمحور حول الطفولة والشباب والمرأة والأسرة والتعليم والمعلم والأنشطة الداعمة.

نحن كبشر نعيش والأسئلة في رؤوسنا. أسئلتنا لا تنتهي أبداً ولا ينبغي لها أن تنتهي لأن العقل الذي لا يسأل لا يمكنه تتبع أثر الحقيقة. إذا لم تكن عقولنا مشوشة فهذا يعني أن آذاننا لا تسمع وقلوبنا لا تشعر. في فترة تشتد فيها الهموم والجهود والبحث أصبح شرح صدورنا وفتح عقولنا لكل ما هو جديد ضرورة وليس مجرد خيار.

يتم تقديم تعريفات وتقييمات قيمة للغاية فيما يتعلق بالمجتمع المدني ولكن المجتمع المدني الذي يشكله الأشخاص المتمدنون والمثقفون الذين يحملون هماً له هدفان أساسيان. هذه الأهداف لا تقوي البنية الاجتماعية فحسب بل تجعل الفرد يرى نفسه كجزء من قصة أكبر. ذلك لأن المجتمع المدني هو المظهر الأكثر وضوحاً للضمير المجتمعي والعقل المشترك.

الغاية الأساسية لأعمال المجتمع المدني هي بقاء المجتمع صامداً والحفاظ على مقاومته وإنتاج حلول دائمة للمشاكل التي يواجهها. بالنسبة لنا يبدأ إحياء المجتمع بإحياء الإنسان. بصفتنا اتحاد الأناضول دخلنا في عملية تجديد جديدة من خلال تحديد الاحتياجات التي واجهناها في الميدان عبر الأبحاث التي أجريناها في الداخل والخارج. وبناءً على ذلك حددنا ثلاثة مجالات عمل أساسية وهي الطفولة والشباب والمرأة والأسرة والتعليم والمعلم.

نحن نبني مستقبلنا من خلال أنشطتنا التعليمية والفعاليات التي ننظمها ونسعى جاهدين لتزويد أطفالنا وشبابنا بالمعلومات الدينية الأساسية والتربية على القيم والأعراف الاجتماعية والكفاءات التي يتطلبها العصر. لأننا نعلم أن "كل مولود يولد على الفطرة" وحماية هذه الفطرة وتغذيتها وتجميلها أمانة في أعناقنا. هدفنا من هذه الأعمال هو المساهمة في تنشئة جيل جُبل على الإيمان والأخلاق والحكمة وزيادة الخير في كل شرائح المجتمع وبناء إرادة قوية تقف في وجه الشر. كل نشاط نقوم به هو استجابة للنداء الإلهي "فاستبقوا الخيرات" وجهد من أجل الوفاء لخطاب "فاستقم كما أمرت".

يعد مجال المرأة والأسرة أحد أكثر مجالات عملنا حيوية حيث يشكل خميرة المجتمع ويحدد استقامة الجيل ويضع أساس السلام الاجتماعي. فالمرأة هي قلب الأسرة وحكمة البيت والعنصر الأساسي الذي يجعل انبعاث المجتمع ممكناً. أما الأسرة فهي مدرسة الإنسان الأولى وملاذه الأول وبيت أخلاقه الأول.

نحن في اتحاد الأناضول لا نرى أعمالنا في مجال المرأة والأسرة مجرد نشاط اجتماعي بل نراها مسؤولية إلهية. فنحن أمة نبي قال "خيركم خيركم لأهله". وبهذا الوعي نتبنى نهجاً يركز على تمكين المرأة وتقوية الأسر وحماية الجيل. تتشكل أعمالنا في هذا المجال من خلال برامج تحمي كرامة المرأة وجهدها وتقوي الأسرة وتدعم الوعي بالزواج والأبوة وتزيد من التضامن المجتمعي وتحيي القيم الروحية والثقافية.

مجال المرأة والأسرة بالنسبة لنا ليس مجرد عنوان بل هو عمود فقري استراتيجي يبني مستقبل المجتمع. عندما يضعف هذا العمود الفقري يتفكك المجتمع وعندما يقوى ينبعث المجتمع ويجد السلام ويكتسب الاستقامة.

يعتبر مجال التعليم والمعلم من أهم ساحات عملنا التي تشكل مستقبل المجتمع وتحدد اتجاه الجيل وتنقل بركة العلم إلى المجتمع. فالمربي ليس مجرد شخص ينقل المعلومات بل هو في الوقت نفسه دليل يحيي الحكمة ويجسد الأخلاق ويوجه العقول الشابة. والتعليم هو أهم رحلة يتعرف فيها الإنسان على نفسه وربه ومسؤولياته.

نحن في اتحاد الأناضول نتعامل مع دراسات التعليم والمعلم بوعي الأمانة. فنحن ورثة حضارة تقول "مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء". لهذا السبب فإن تمكين المعلم وجعل التعليم نوعياً وتقديم أرضية قيم صلبة للشباب هو أولوية استراتيجية بالنسبة لنا. تتشكل أعمالنا في هذا المجال من خلال برامج تدعم التطور المهني والروحي للمعلمين وتقدم الإرشاد في مجال التربية على القيم والمعلومات الدينية الأساسية وتكسب كفاءات العصر وتجعل البيئات التعليمية أكثر شمولاً وجودة.

يشكل مجال التعليم والمعلم العمود الفقري لخبرات اتحادنا المتراكمة. إذا لم يكن هناك تعليم في منظمة ما ولم يكن هناك برنامج يمس المعلم فمن المحتم أن يكون هناك ضعف في الأهداف وانحراف في المقاصد. لأن انبعاث المجتمع لا يمكن إلا بالعلم والحكمة والمعلمين المخلصين. بهذا الوعي نواصل بناء مناخ تعليمي يقوي المعلم ويجعل التعليم نوعياً ويجمع الجيل الشاب بالإيمان والأخلاق والكفاءة. نحن نؤمن بأن الانبعاث المجتمعي المجبول بالحب والرحمة والعلم أمر ممكن. وبهذا الإيمان نواصل العمل لإعداد أطفالنا وشبابنا وعائلاتنا لمستقبل أكثر طمأنينة ووعياً وقوة.

المجال الآخر الذي نواصل العمل فيه كاتحاد هو الأنشطة الداعمة. تشمل هذه الأعمال مجموع الدراسات التي تحافظ على ضمير المجتمع حياً وتبقي شريان الرحمة نابضاً وتقوي وعي الأمة. هذه الأنشطة التي تشمل اليتيم والفقير والمهاجر والمنكوبين من الزلزال وإخواننا الذين يحتاجون إلى الدعم في مجالات التعليم المختلفة ليست مجرد مسؤولية اجتماعية بالنسبة لنا بل هي ضرورة لأمانة إنسانية. نحن نحلل الاحتياجات الميدانية بعناية عند تحديد هذه المجالات ونرتكز على نهج يحمي كرامة الإنسان ويزيد التضامن ويقوي العدالة الاجتماعية. لأننا نعلم أن "المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد". كل نشاط دعم يتم تنفيذه بهذا الوعي هو يد رحمة تضمد جراح المجتمع ونسمة خير تحيي الأمل من جديد.

نحن في اتحاد الأناضول من أجل القيام بهذه المسؤولية على أكمل وجه نحدد أكثر الممارسات فعالية من خلال الأبحاث التي نجريها في الداخل والخارج ونجعل أعمال الدعم لدينا أكثر منهجية وشمولية من خلال النماذج التي نطورها. الغرض الأساسي من أنشطتنا الداعمة هو محاولة حل العقد الأساسية التي تخلق المشكلة مع فهم من شأنه أن يجعل المظلوم صامداً وجزءاً من طاولة الحل. وبذلك نهدف عند الوصول إلى المحتاجين إلى خلق مناخ من الخير لا يحمل مساعدات مادية فحسب بل يحمل أيضاً الثقة والتضامن وروح الأخوة.

إن أحد أهم العناصر التي تزيد من بركة أعمالنا وتقوي تأثيرنا الميداني وتبقي وعي الأمة حياً هو التعاون. لهذا السبب نحن نفضل السير مع أي مؤسسة أو شخص متميز في أي مجال ويمتلك الخبرة والتجربة في أي موضوع. لأننا نعلم أن التسابق في الخير لا يكون إلا بتوحيد القوى وخلق أرضيات مشتركة للخير.

تعتبر مجالات الطفولة والشباب والمرأة والأسرة والتعليم ساحات عمل لا غنى عنها وتشكل أساس تراث اتحاد الأناضول. هذه المجالات بمثابة العمود الفقري الذي يضمن انبعاث المجتمع. إذا لم يكن هناك اهتمام أو برنامج أو هدف أو جهد يتعلق بهذه المجالات في منظمة ما فهذا يعني أن هناك ضبابية في الأهداف وضعفاً في الغايات وتشوهاً في روح العمل.

نحن نقيم تعاوننا بهذا الوعي ونرى كل شراكة كحلقة خير تساهم في نفع الأمة. هدفنا هو تقديم أعمال دائمة ونوعية تمس كل شرائح المجتمع من خلال بناء شبكة تضامن قوية تندمج فيها الخبرة والمعرفة والجهد. ليس علينا القيام بكل عمل بأنفسنا في مواضيع الأنشطة الداعمة والتعاون. القروي أو ابن البلدة يقوم بكل عمل بنفسه. أما رجل المدينة فيتشارك مع الآخرين بناءً على من يتقن ماذا. والعمل معاً لا يعني العمل مع من يشبهوننا فقط بل مع "الآخر". أنا أؤمن أنه لا يوجد "آخر" في الأناضول فـ "الآخر" في هذه الأرض هو الشيطان. قد يكون هناك المذنب والخائن وسنهتم بهؤلاء كأفراد من عائلتنا. العمل مع المختلف وضمان شعوره بالأمان هو ما يحقق التجديد في تلك الأعمال التي نسميها الحفاظ على ضمير الشعب حياً.

هناك موضوع آخر نركز عليه بحساسية في اتحاد الأناضول وهو تقديم مقترحات استراتيجية وملفات ودراسات لآليات الإدارة في المجتمع الذي نعيش فيه سواء للدولة أو البيروقراطية أو السياسة أو الجامعة أو مؤسسات العالم الإسلامي أو المؤسسات العالمية المتعلقة بالإنسانية واقتراح أعمال وإعداد أشخاص لجعلهم مفضلين. وبالتالي فإن للمجتمع المدني دورين أولهما الحفاظ على ضمير الشعب حياً وثانيهما اقتراح أشخاص ومشاريع استراتيجية تحل مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه. أين نحن من هذا؟ ما هي الدراسات التي نجريها في هذا الصدد وما هي جودتها؟

بالطبع أثناء القيام بذلك من الضروري "كسر الروتين". يجب كسر الروتين واكتساب روتينات جديدة ويجب أن نتخلص من الإرهاق الديني الذي يثقل كاهلنا. نلاحظ إرهاقاً دينياً واضحاً لدى الأشخاص الذين يحاولون الخدمة بدوافع دينية في الجماعات والجمعيات العاملة في منظمات المجتمع المدني في بلدنا منذ سنوات طويلة. ورغم وجود أسباب عديدة لهذا الإرهاق إلا أنه يجب التأكيد على عاملين أساسيين. الأول هو النزعة لمحاولة نقل الماضي إلى اليوم دون إنتاج حلول حقيقية ومعاصرة تناسب مشاكل العصر. في حين أن وصفات الأمس لا يمكن أن تكون علاجاً لقضايا اليوم ونسخ التجربة التاريخية كما هي في يومنا هذا يولد مشاكل جديدة بدلاً من إنتاج الحلول.

العامل الثاني هو أن الغايات والأهداف التي يحددها الأفراد ليست واقعية ولا مستدامة ولا عقلانية. عندما لا يحصل الناس على النجاح الذي يتوقعونه في الأنشطة التي يقومون بها يحملون الدين مسؤولية ذلك ويبدأون في رؤية الأعمال الدينية نفسها كمنطقة مشاكل لا يمكن الخروج منها. في حين أن هذا الدين قد أُنزل لكل الأزمان ويمتلك قوة ومرونة يمكن تنفيذها في كل الظروف والسياقات. المشكلة ليست في الدين نفسه بل في تصور الإنسان للدين وتفسيره وطريقة تطبيقه. لذلك فإن عبارة "سأكون إنساناً عادياً الآن" التي ترددت كثيراً في الأوساط المتدينة في السنوات الأخيرة هي في الواقع تعبير عن الرغبة في التبسيط أي الميل لترك النفس لتيار المجتمع العام. يظهر هذا الخطاب كعرض لكل من الإرهاق الديني وذوبان الهوية.

نحن أناس نحمل رسالة. وجودنا يحمل معنى يحافظ على ضمير المجتمع حياً ويحدد اتجاهه ويظهر علاماته. إذا صرنا عاديين سيفقد المجتمع مرشديه. اليوم عندما ننظر حولنا نجد ميلاً يقول "سأرتدي الماركات أيضاً وسآكل هناك أيضاً وسأعيش مثل الجميع" وهذا يمحو الفرق بين حامل الرسالة والإنسان العادي. وهذا بالنسبة لنا خط موت. العيش ببساطة والابتعاد عن المظاهر والاحتفاظ بمسافة تجاه الدنيا هو جزء من شخصيتنا. عندما يختفي هذا الخط يختفي ثقل الرسالة أيضاً. قبل سنوات بعد حديث أجريته في قيصري كتبت إحدى الصحف هذا العنوان "التحول إلى المحافظة هو موت الثوري". هذا التعبير هو ملخص واضح جداً للتحول الذي نعيشه اليوم. العادية والانسحاب إلى منطقة الراحة وقول "أنا مثل الجميع الآن" كلها تحولت إلى ساحة اختبار كبيرة خاصة مع التقاء متديني تركيا الذين مروا بسنوات طويلة من الضغط والتهميش والاستبعاد بالمجال العام. لأنه كلما زاد الظهور العلني أصبح الحفاظ على القيم أصعب.

القوة والإمكانية والظهور إما أن تنضج الإنسان أو تجعله عادياً. إذا لم يستطع الشخص الحفاظ على نفسه مع هذه الإمكانيات فإن الادعاء الذي كان يحمله والقيمة التي كان يمثلها والمسؤولية التي تولاها تتلاشى تدريجياً. ولكن إذا استطاع حمل هذه الإمكانيات بوعي الأمانة فإن القوة لا تفسده بل على العكس تنضجه وتعمقه وتحوله إلى موقف أكثر أصالة. الامتحان الذي نعيشه اليوم هو بالضبط هذا وهو ألا تضيع مع زيادة الظهور وأن تتبسط مع زيادة القوة وأن تكبر المسؤولية مع كثرة الإمكانيات.

المسألة بالنسبة لنا هي أن حامل الرسالة يسير أمام المجتمع طالما استطاع حماية نفسه. وفي اللحظة التي يفقد فيها نفسه يذوب داخل المجتمع ويصبح غير مرئي ويفقد تأثيره. إذا قلنا إننا "موجودون" في مكان أو بيئة أو فضاء فلا يكفي أن تكون أجسادنا هناك. إذا لم تكن فكرتنا وعقلنا وتفكيرنا وادعاؤنا هناك فلا يمكن القول إننا موجودون حقاً في ذلك المكان. أنا أواجه هذا كثيراً حيث يقول "أنا موجود" ولكنه غير موجود فكل شيء وكل شخص سواسية. لهذا السبب يجب أن نكسر الروتين. يجب أن نكون موجودين كأنفسنا وألا نفقد أبداً الوعي بأننا أناس لنا خميرة ونحمل رسالة. بالطبع يمكن للجميع أن يقول يوماً ما "لن أحمل رسالة بعد الآن". ولكن لا يوجد كلام يقال لشخص ساق نفسه إلى إنكار الذات لأنه قد أطفأ النور في داخله.

لهذا السبب فإن النية تقع في صميم هذا الارتباك. عندما تنوي عملاً ما تكون قد ركزت عليه. وكما يفسد الغبش في النية خشوع العبادة فإن الغبش في نية الحياة يفسد استقامة الإنسان. نحن ننوي أمراً ونقوم به ثم نجلس ونتفاوض ولكن لكي تكون النية سليمة يجب تشغيل عمليات التحضير قبل النية بشكل جيد جداً. في هذا السياق يعتبر مفهوم "الأماكن الثلاثة" الذي يؤكد عليه إحسان فازلي أوغلو أمراً مهماً. إحسان هوجا نقل هذا المفهوم الذي يعود في الأصل لفيلسوف غربي إلى عالمنا الفكري. تقدم هذه الأماكن الثلاثة إطاراً نقدياً لفهم الأرضية الذهنية والوجودية التي يضع الإنسان نفسه فيها.

  1. المكان الذي جئنا منه: من أين جئنا؟ من نحن؟ من أي تاريخ نأتي؟ كيف هو ماضينا؟ ماذا يوجد في جيناتنا وفلسفتنا للتاريخ؟ يجب ألا نذهب ونحبس أنفسنا هناك مثلما قال علي شريعتي "سجن التاريخ".

  2. المكان الذي نحن فيه: أحياناً نتحدث وكأننا لسنا هنا حقاً. وكأن إنسان اليوم ومشاكل اليوم وعلم اجتماع اليوم غير موجودين فنعيش في التاريخ. هناك كتاب بعنوان "زمن مستعمل" يحكي قصص أناس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كانوا لا يزالون يظنون أنفسهم في مقر الحزب الشيوعي. لقد انتهى الاتحاد السوفيتي وتغير العالم ولكن العقل لا يزال في زمن قديم.

هناك حالة مشابهة لدى جزء من متدينينا حيث مر عليهم الزمن عشر مرات وأجسادهم في زمن جديد ولكن خطاباتهم ومفاهيمهم وردود أفعالهم في ماضٍ آخر. لا يمكننا حل مشاكل شباب اليوم ومدن اليوم وقضايا اليوم من خلال الهروب بها إلى التاريخ. نحن نذهب ولكن أبناءنا لا يأتون لأن عالمهم مختلف ومجموعة مفاهيمهم مختلفة واحتياجاتهم مختلفة. لهذا السبب نحتاج إلى التحدث عن المشاكل بمفاهيم اليوم وواقع اليوم. يجب أن يكون أجمل جانب فينا هو جهد القراءة والمسعى لإنتاج المفاهيم وإرادة بناء لغة جديدة.

وكما يؤكد إحسان فازلي أوغلو تتكون المسألة من ثلاث "أماكن" وهي الأمس واليوم والمستقبل. لقد جئنا إلى هنا وإلى هذه اللحظة وهذا الزمان برصيد الأمس ولكن الآن نحتاج إلى فكرة أصيلة حول المكان الذي نتواجد فيه. لأن أساس المقاومة النفسية والوضوح الذهني والوجود المجتمعي هو أن يعرف الإنسان أين يقف. ما يهم ليس ما كنا نملكه بالأمس بل ما تبقى في أيدينا بعد الكارثة. يجب أولاً إجراء تقييم للوضع ثم إعادة التموضع. اتخاذ موقف جديد ومعرفة المدينة وديناميكياتها ومعرفة أنفسنا وإمكانياتنا واحتياجاتنا وشركائنا. باختصار لا يمكننا تحديد اتجاهنا دون معرفة المكان الذي نحن فيه ولا يمكننا السير نحو المستقبل دون تحديد اتجاهنا.

  1. إلى أين نريد أن نذهب؟ ماذا نريد أن نكون؟ ماذا نريد أن نفعل؟ الأشياء التي نتحدث عنها غير عادية ولكن الأعمال التي نقوم بها غالباً ما تكون مختلفة تماماً. هذا الانقطاع يجعل الإنسان غير مدعوم نفسياً ويمزقه مع مرور الوقت. لذلك يجب علينا بناء الوحدة بين الأزمنة الثلاثة (الأمس واليوم والمستقبل) والأماكن الثلاثة مفاهيمياً.

إذا لم تتحقق هذه الوحدة فما سنواجهه هو الرحمة بلا فعل. وهذا من أخطر المفاهيم في هذا العصر. في فترة تزداد فيها الوحدة الرقمية ويملك فيها الجميع مئات "الأصدقاء" ولكن لا يلمسون أحداً يبدو الناس وكأنهم يتحدثون ويعلقون وينتجون أفكاراً ولكن عندما يأتي الأمر إلى الفعل ينسحبون. رحمة ولكنها غافلة عن الحي وغافلة عن الأقارب وغافلة عن الأم والأب وهذه أكبر نقطة ضعف في العصر الحديث. يجب أن يُحفر خطاب ربنا "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون" في قلوبنا في هذه النقطة بالضبط.

لهذا السبب فإن مسح الآفاق ذو قيمة كبيرة. ما يسميه المفكر الألماني غادامير "انصهار الآفاق" هو جهد لتلقيح بعضنا البعض والتمسك ببعضنا البعض لإنتاج معنى أكبر معاً. في علم النفس تفوق قيمة المجتمعات الهادفة تأثير الأرقام بكثير. ولكن عندما نجتمع يحدث العكس أحياناً فينخفض المتوسط ويصبح الأكثر عدوانية هو المسيطر لهذا يجب توخي الحذر. إنسان المجتمع المدني يعني الإنسان الذي يسمع الأصوات الضعيفة والإشارات الباهتة والطبقات الدنيا من المدينة. ويعني ملاحظة تلك الإشارات قبل وقوع الأزمة ونقلها لمن يهمه الأمر. إذا لم نكن نسمع فهذا يعني أن صمماً قد بدأ في أعضاء السمع لدينا. لذا فإن مهمتنا الأولى هي تقوية هذه الحساسية داخل الشعب والمهمة الثانية هي إيصال هذه الأصوات إلى العقل الاستراتيجي للدولة للمساهمة في خلق استجابة قانونية.

في كتاب صدر مؤخراً بعنوان "المجيء الثاني" يسأل فيلسوف إيطالي صغير "ماذا سيكون المستقبل؟ هل هي ثورة صناعية جديدة أم طوفان جديد أم أيديولوجيا جديدة؟ الإسلام ممكن ولكن هل المسلمون مستعدون لذلك؟". السؤال الحقيقي هو هل منظمات المسلمين مستعدة لذلك؟. اليوم تحدث إبادة جماعية مروعة في غزة وأفضل ما نقوم به هو جمع المساعدات. ولكن ماذا عن ورش العمل والندوات والمفاهيم الجديدة والنهج الجديدة؟ نحن بحاجة إلى جهد ذهني حول كيفية حل هذه المسألة. يوجد في سوريا أربعة عشر مخيماً للفلسطينيين مجهزة بالكامل ومخيمان نصف مجهزين. نتحدث مع العديد من المنظمات ونقول "لنعتني بهؤلاء" فيكون الجواب "نحن نعتني بغزة". في حين أن نقطة تحصين فلسطين هي دمشق. يوجد فلسطينيون في سوريا يعيشون لجوءاً داخل اللجوء والظروف التي يعيشونها تفوق الاحتمال. إذا لم نضع احتياجات جديدة ونهجاً جديدة على الطاولة فسوف تجرفنا العملية إلى مكان آخر.

لتلخيص هذه الأمور فإن أكثر ما نحتاجه اليوم هو تقوية وجودية تقيم صلة مع الوجود. وهذا ما يشرحه إبراهيم كالن بشكل جميل جداً في كتابيه "كوخ هايدغر" و"البربري والمدني الحديث". من ناحية أخرى نحتاج إلى أنظمة المعلومات والإبستمولوجيا ونماذج التعليم من الجيل الجديد. لم يعد لدينا ترف القول "نحن جماعة نخبوية اجتمعنا معاً". لا بل يجب علينا مناقشة الخلاصة التي تنتجها هذه النخبوية والتحدث عن الإنتاجية فهذه مسؤولية. لهذا السبب يجب نقل المعرفة التي ننتجها إلى الأكسيولوجيا أي إلى القيم.

تمر تركيا بعملية استثنائية والأكراد والأتراك والعرب هم العناصر المؤسسة الجديدة لهذه المنطقة. ومسألة الأقليات حيث قال لي قس "نحن لسنا أقلية سوريا بل نحن أبناء الحضارة الإسلامية". فهل نحن مستعدون لذلك مفاهيمياً؟ هل سنتمكن من التحدث في هذه المواضيع في بيئة يوجد فيها غير مسلمين؟ هل مجموعة مفاهيمنا مناسبة لذلك؟. كان النبي يتحدث ويجتمع معهم في المسجد وعندما كان الظلم هو القضية شارك الجميع في فتح مكة. يجب أن يكون أمن العقل والنسل والنفس والمال والدين للجميع تحت ضمانة هذه الجماعة. أمن العقل يعني احترام كل فكرة والأفكار الجديدة هي فرصة لتجديد أنفسنا وشحذها وإبقائنا أحياء. إن تحول المعرفة إلى فعل هو أهم ما سيبقينا نابضين بالحياة. يجب أن نوقظ بعضنا البعض للتخلص من مرض "النوم داخل الدور الذي اعتدت عليه". وكما قال ابن عربي "ما اعتدت عليه يجعلك أعمى". ما الذي سنغيره وما الذي سنجدده؟ لعل الله يجعلنا وسيلة للأعمال التي ستحول هذه الجولة في الآفاق إلى انصهار للآفاق وتساهم في المستقبل الصامد والمقاوم والملهم للأمل لأمتنا.

بخطوة صغيرة، يمكنك صنع تغيير كبير

من خلال انضمامكم إلى مشاريعنا التي تشمل التعليم والغذاء والصحة والتضامن الاجتماعي، يمكنكـم أن تكونوا نوراً يضيء حياة إنسان، لنزرع معاً بذور الأمل في المستقبل.

 

كن أنت جزءاً من مسيرة الخير!

تبرع سريع
اختر المشروع
₺1.000
₺2.000
₺3.000

الفعاليات

نثرخجسح
27282930123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
1234567

شركاتنا التابعة

مؤسساتنا

شراكاتنا

اشترك
يمكنك الاشتراك في قائمتنا البريدية للبقاء على اطلاع بأحدث التحديثات التي ينشرها وقف بُلبُل زاده.
Logo

تستلهم مؤسسة بلبل زاده مسيرتها من التاريخ العريق لمدينة غازي عنتاب، وتعمل برؤية تهدف إلى نقل الميراث الثقافي من الماضي إلى المستقبل. وتواصل مؤسستنا، التي تضع التنمية المجتمعية في قلب اهتماماتها، مساهمتها بكل عزم في بناء تركيا الحديثة من خلال مشاريعها النوعية في مجالات التعليم والثقافة.

-

XYouTubeFacebookLinkedInIstagram
Logo

نتيجةً لطلب وقفنا، وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 8097 بتاريخ 17 يناير 2024، مُنح وقفنا «إعفاءً ضريبيًا» وفقًا للمادة 20 من القانون رقم 4962. وفيما يلي بعض الحقوق الممنوحة لوقفنا بموجب القانون رقم 4962 المذكور، والتعميم العام بشأن منح الإعفاء الضريبي للأوقاف، وغيرها من القوانين ذات الصلة.

حقوق النشر 2024 جميع الحقوق محفوظة.Nowismedia
Kişisel veriler3