اختتمت اللقاءات الأناضولية العشرون التي نظمتها الفيدرالية الأناضولية في أنقرة تحت شعار "قرن تركيا والدبلوماسية المدنية"، بعد برنامج مكثف استمر خمسة أيام. وجمع اللقاء العديد من الشخصيات البارزة على الصعيدين الوطني والدولي.
اختتمت اللقاءات الأناضولية العشرون، التي نُظمت في الفترة من 10 إلى 14 أغسطس/آب 2026 لمناقشة الحلول التي يمكن للمجتمع المدني إنتاجها في مواجهة الأزمات حول العالم، بجلسات وورش عمل واسعة النطاق. وقد جمع اللقاء أكاديميين وبيروقراطيين ومتطوعين في المجتمع المدني من داخل تركيا وخارجها تحت سقف واحد، وأقيم في مركز مؤتمرات فندق إليز كيزيلجاهامام. وفي عالم اليوم، حيث لم يعد من الممكن إدارة الأزمات العالمية بوسائل الدبلوماسية التقليدية، تمت مناقشة القوة البنّاءة للدبلوماسية المدنية على مدى خمسة أيام. وقد شكّل هذا اللقاء، الذي هدف إلى تعزيز أرضيات التضامن بين المؤسسات، منصة استراتيجية نوقشت فيها مقترحات سياسات جديدة.
إطلاق مناهج تعليم المجتمع المدني
في اليوم الأول من الفعالية، تم إطلاق مناهج تعليم المجتمع المدني، في خطوة شكلت بداية مهمة. وقد تم تقديم هذا المنهج، الذي جاء ثمرة دراسات أكاديمية وعملية طويلة الأمد، إلى الرأي العام بهدف توفير البنية النظرية التي سيحتاج إليها متطوعو المجتمع المدني في الميدان. وسُجل برنامج الإطلاق باعتباره خطوة كبيرة نحو دمج المناهج المبتكرة في مجال التعليم ضمن المجال المدني.
المجتمع المدني فاعل أساسي
بدأ الافتتاح الرسمي للقاءات بتلاوة القرآن الكريم، وألقى كلمتي الترحيب الأولى كل من رئيس جامعة إينونو نصرت أكبولات ورئيس جمعية خريجي تركيا وصربيا نظيم ليتشينا. ثم رسم رئيس الفيدرالية الأناضولية تورغاي ألديمير ملامح رؤية اللقاء من خلال كلمته الافتتاحية بعنوان "قرن تركيا والدبلوماسية المدنية". وأوضح ألديمير أن المجالات التي تستطيع الدول إنتاج حلول لها بمفردها تضيق تدريجياً في مرحلة تتغير فيها موازين القوى بسرعة وتتزايد فيها الحروب وموجات الهجرة، مشيراً إلى أن منظمات المجتمع المدني ارتقت إلى موقع الفاعل الأساسي في التفاعل الدولي.
التأثير الدائم للهياكل المدنية
وفي الجلسات التي التقت فيها رؤية القطاع العام بطاقة المجتمع المدني، ألقى نائب وزير الثقافة والسياحة في الجمهورية التركية الدكتور سردار جام كلمة بعنوان "الدبلوماسية العامة والثقافية في قرن تركيا". وذكّر جام بأن السلطات الرسمية قد تظل محدودة بفترات توليها لمهامها، بينما تُحدث الهياكل المدنية التي تنقل الثقافة من جيل إلى جيل تأثيراً دائماً، مؤكداً أن الدولة القوية تحتاج إلى منظمات مجتمع مدني مؤهلة. ودعماً لهذه الرؤية، تحدث نائب رئيس تيكا يحيى كوشكون عن أنشطة تيكا في مختلف أنحاء العالم، ولفت الانتباه إلى جسور الثقة التي بنتها مساعدات تركيا التنموية ومشاريع الترميم الثقافي في مجال الدبلوماسية المدنية.
مواجهة الماضي
كما تمت دراسة موضوعي بناء السلام والدبلوماسية الإنسانية بعمق خلال اللقاء من خلال عروض قدمها خبراء متخصصون. واستعرض نائب رئيس مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) حسين أوروتش تجاربه في عملية السلام في بانغسامورو، كاشفاً عن الدور الحيوي للمجتمع المدني في حل النزاعات. وأوضح أوروتش أن تسليم الأسلحة إلى لجنة مستقلة بدلاً من تسليمها مباشرة إلى الدولة ساهم في تجاوز حاجز نفسي، مؤكداً أن مواجهة الماضي وإظهار إرادة للعيش المشترك العادل أمران لا غنى عنهما من أجل سلام دائم.
علينا أن نبني قدرات دائمة
وفي جلسة مهمة أخرى، ألقى الدكتور إبراهيم ألتان، نائب الأمين العام لاتحاد المنظمات غير الحكومية في العالم الإسلامي (İDSB)، كلمة بعنوان "الأزمات والمساعدات الإنسانية والدبلوماسية التطوعية". وأوضح ألتان أن الفرق المدنية العاملة في الميدان تستطيع إقامة جسر ثقة مع السكان المحليين بسرعة أكبر وبشكل أكثر حياداً، مؤكداً أن حفاظ المتطوعين على نواياهم الصافية في الميدان هو أعظم نقاط قوتهم. ولفت ألتان الانتباه إلى ضرورة تجاوز مجرد تلبية الاحتياجات العاجلة في مناطق الأزمات والعمل على بناء قدرات دائمة، مشيراً إلى أن ثقافة الأوقاف والأخوة المهنية لدى الأجداد تلهم ممارسات المساعدات الإنسانية الحديثة اليوم.
الشباب أضفوا الحيوية
إلى جانب الجلسات الرئيسية، أضفت المشاريع التي نُفذت بالتزامن حيوية كبيرة على اللقاءات الأناضولية العشرين. وفي إطار مشروع "مهارات الشباب في بناء الشبكات الدولية والدبلوماسية المدنية في العصر الرقمي"، اجتمع شباب من دول مختلفة حول طاولات مشتركة. ونُظمت في إطار البرنامج، الذي هدف إلى زيادة وعي الشباب بالمواطنة الفاعلة والذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة والشمولية، ورش عمل ودراسات لتطوير السياسات ومنتديات موضوعية. وفي الختام، تم تقديم شهادات Youthpass للشباب، توثق المكتسبات التي حصلوا عليها خلال فترة الأنشطة. وبالتوازي مع كل هذا البرنامج المكثف، أُقيمت أيضاً اللقاءات السادسة للأطفال في الوقت نفسه، مما أتاح مشاركة أفراد من جميع الفئات العمرية في الفعالية.
مناصرة عالمية للحقوق
كانت إحدى الجلسات التي عززت العمق الأكاديمي للقاء هي العرض الذي قدمه عضو مجلس السياسة الخارجية والأمن في رئاسة الجمهورية البروفيسور الدكتور محي الدين أتمان بعنوان "أزمة النظام العالمي: التأثير المتزايد للمنظمات غير الحكومية". وحلل أتمان أوجه الانسداد في النظام العالمي الحالي، موضحاً أن المجتمع المدني أصبح قوة استباقية لا تعرف الحدود في النقاط التي وصلت فيها الدول القومية إلى طريق مسدود. أما الأستاذ في جامعة ميديبول البروفيسور الدكتور بكير برات أوزيبيك، فقد شدد في كلمته بعنوان "التواصل المدني العالمي وإمكانات خطاب عابر للحدود" على مناصرة عالمية للحقوق تتجاوز الحدود الجغرافية. وفصّل أوزيبيك المسؤولية الفكرية والوجدانية التي ينبغي للمجتمع المدني أن يضطلع بها في بناء عالم عادل.
الممثلون الطبيعيون الأكثر أهمية لتركيا في الدبلوماسية المدنية
وفي القسم الذي نوقشت فيه الآثار العابرة للحدود للدبلوماسية، تحدث رئيس رئاسة شؤون الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصلة (YTB) عبد الهادي توروس حول موضوع "شبكات الشتات والدبلوماسية الثقافية"، وهو أحد أكثر الموضوعات استراتيجية في البرنامج. وذكر توروس أن المواطنين في الشتات هم السفراء الطبيعيون لتركيا في مجال الدبلوماسية المدنية، وشرح الوظيفة الحيوية لهذه الشبكات في إبقاء الروابط العالمية بين الوطن الأم والمجتمعات المرتبطة به حية. وسلط مستشار الخدمات الدينية في سفارة الجمهورية التركية في واشنطن، الأستاذ المشارك الدكتور فاتح جانكا، الضوء على التأثيرات العابرة للقارات للهياكل المؤسسية في القارة الأمريكية من خلال عرضه بعنوان "الدبلوماسية المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية من منظور قرن تركيا: الخدمات الدينية والشتات والتفاعل الثقافي". كما شارك ممثل منظمات المجتمع المدني في ألمانيا الدكتور سلمان دليك مع المشاركين آليات الحوار التي أقامها المجتمع المدني في أوروبا مع الحفاظ على ثقافته الخاصة في مواجهة الرقمنة، تحت عنوان "التواصل بين الثقافات في عصر التجانس الرقمي".
من التجارب المحلية إلى طاولة الدبلوماسية العالمية
وبينما تمت مناقشة انعكاسات عمليات صنع القرار على السياسة الخارجية من منظور واسع، قيّم الدكتور محمد كوسه من مؤسسة إفريقيا والشرق الأوسط المساهمة متعددة الأبعاد للجهات المدنية في صانعي السياسات من خلال عرضه بعنوان "تأثير تنويع آليات صنع القرار على السياسة الخارجية". وفي النقطة التي التقت فيها الممارسات الميدانية بالنظرية، أوضح محمد علي أمين أوغلو، مسؤول العلاقات الخارجية في الفيدرالية الأناضولية، كيفية نقل التجارب المحلية إلى طاولة الدبلوماسية العالمية في جلسة "تأثير الأنشطة المحلية والدولية للمنظمات غير الحكومية على الدبلوماسية المدنية". أما أوكتاي تشيتين من مؤسسة عزيز محمود هدايي، فقد أضفى إطاراً روحياً عميقاً على الموضوع من خلال عرضه بعنوان "أهمية التربية الأخلاقية في الدبلوماسية المدنية ودور الأوقاف". وأكد تشيتين أن تقليد الأوقاف القائم على الشفقة والرحمة يترك آثاراً أكثر دواماً بكثير من الاتصالات الدبلوماسية.
القوة التوحيدية للسينما والأدب
وفي الجلسات التي تمحورت حول الثقافة والفنون، تحدث المخرج المخضرم درويش زعيم والكاتبة بيرين بيرسايغلي موت. وفي إطار اللقاء، عُرض فيلم "فلاشبلك" للمخرج درويش زعيم أمام الجمهور، وانطلاقاً من فيلمه، شرح من خلال أمثلة سينمائية المساهمة القوية للسينما في عمليات فهم المجتمعات بعضها لبعض عبر لغتها العالمية التي تزيل الحدود. كما لفتت بيرين بيرسايغلي موت الانتباه إلى القوة التوحيدية للأدب والثقافة المكتوبة في بناء الذاكرة المشتركة للمجتمعات.
الدور الحاسم للمنظمات غير الحكومية
وخلال اللقاءات، ألقى كل من رئيس مجلس أمناء مؤسسة نشر العلم نجم الدين بلال أردوغان ورئيسة بلدية غازي عنتاب الكبرى فاطمة شاهين كلمات أمام المشاركين. ولفت نجم الدين بلال أردوغان الانتباه إلى الدور الحاسم لمنظمات المجتمع المدني في إحياء الأجيال الشابة وبناء الحضارة، مؤكداً أن التنظيمات التطوعية تؤدي دور الأعمدة الحاملة في رؤية تركيا العالمية. أما فاطمة شاهين، فقد شرحت من خلال أمثلة من عرضها بعنوان "غازي عنتاب مدينة صامدة" كيف يمكن للتضامن بين الإدارات المحلية والمجتمع المدني أن يتحول إلى ممارسة منقذة للحياة في أوقات الأزمات. وأكدت شاهين بشكل خاص أن العمل المتكامل للمبادرات المدنية مع القطاع العام في إدارة الكوارث يمنح الدبلوماسية المدنية زخماً كبيراً.
رؤية دبلوماسية المستقبل
وبعد خمسة أيام جرى خلالها تناول قضايا حيوية مثل انهيار النظام العالمي والأزمات الإنسانية والصراعات الإقليمية والدبلوماسية غير المرئية وشبكات الشتات بصورة متعددة الأبعاد، اختتم اللقاء باجتماع تقييمي. واختتمت اللقاءات الأناضولية العشرون، التي عززت الموقف الإنساني لتركيا على الساحة الدولية وألقت الضوء على رؤية دبلوماسية المستقبل، بالتأكيد على الدور البنّاء للمجتمع المدني في إنتاج السلام والأمن.



